لا يذكر المتصوفة إلاّ وذُكرت معهم مكابداتهم العشقية للذات الإلهية ومقامات عشقهم وتقدّمهم في مراتب الإخلاص لمعشوقهم الرّب، وذلك كان في زمن الحبّ والعطاء، أمّا في زمن اللحظات المسروقة والمشاعر الإلكترزنية التي نعيش فنحن نعرف مقامات جديدة، بالتأكيد هي ليست مقامات عشقٍ أو توجّد، فهي مقامات للاحتراق...
(1)
مقام الشوق
أمضى ليلته في حضن سمرائه الصغيرة، لا يذكر تماماً أين قابلها، لكنّه يحفظ جيداً طقوس شهوتها، وجغرافيا جسدها، شرب منها حتى الثمالة، وانسلّ من جانبها، ليسدر في فراش زوجته التي طال انتظارها له، التصق بها، وقال بحروف الارتواء الولهى:
"أنا عطشان إليك".
(1)
مقام الموت
الاسم الذي نُقش بماء الذهب على واجهة القبر البارد كان اسم أمّها، المشيعون الذين انفضّوا عن القبر عزّوها بوالدتها، في أصبعها الصغير دسّت خاتم زواج أمّها، الباقي الوحيد بعد رحيلها، قدماها تسيران بانتظام دون عرج، كلّ الدلائل تشير إلى أنّ أمها العرجاء هي من ماتت، فلماذا إذن تُحسّ بالقبر يطبق على صدرها، ويعلو صوت خطوات عرجاء على وجيب قلبها الدامي؟!
(3)
مقام الغياب
بلغ مشارق الأرض ومغاربها بحثاً عن ابنه الضائع، فقد سرقته نسائم رياح تشرين، وذرّته مع نسائمها، أراده يداً حانية تسند شيخوخته، أراده إرادة خضراء تزُهر أرضه، أراده قدح ماء زلال يروي عطشه، تنسّك في بحثه، وطالتْ لحيته الخضراء حتى طوّقتْ الأرض، واستمهل الموت حتى يجد ابنه الضائع، ثم وجده، فكان ابن برودة الرياح لا ابنه، كان قاسياً كصرخة، بارداً كابتسامة ميّت، صامتاً كوجه غريب... عندها قرّر أن يعود للبحث من جديد عن ابنه الذي وجده؛ لأنّه عاد ولم يعد.
(4)
مقام الزّهد
اعتكف في رأس جبل عارٍ من الشهوة والارتواء، ثمانين عاماً ما ذاق شهوة، ولا انتفض من رغبة، ولا أطلق زفرة حرمان، وعاهد الربّ على أن يموت عطشان جوعان يسكن البرد في عظامه. ومات بعد أن أخذ رشفة رحيق من شفتيها، فمات ريّان شبعان، تلفح عظامه حرارة العشق.
***********************************************************************************************
[1] من أصل فلسطيني، مقيمة في الأردن، أستاذة الأدب العربي في جامعة الأردن، وتعد من أشهر الأصوات الأدبية في العالم العربي، معروفة بلقب "شمس الأدب العربي وأميرته" وهي كاتبة، ومفكرة، وناقدة وإعلامية ومراسلة صحفية لبعض المجلات العربية وناشطة في قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفولة والعدالة الاجتماعيّة، وهي عضوة في كثير من المحافل الأدبية، وحاصلة على أكثر من 60 جائزة دولية وعربية ومحلية في حقول الرواية والقصة القصيرة والمسرح وأدب الأطفال والبحث العلمي ومنها جائزة كتارا المرموقة، كما لها الكثير من المسرحيات المنشورة والممثّلة والحاصلة على جوائز. ولها 52 مؤلفاً منشوراً بين كتاب نقدي متخصص ورواية ومجموعة قصصية وقصة أطفال إلى جانب المئات من الدراسات والمقالات والأبحاث المنشورة، فضلاً عن الكثير من الأعمدة الثابتة في كثير من الصحف والدوريات المحلية والعربية، كما لها مشاركات واسعة في مؤتمرات محلّية وعربيّة وعالميّة في قضايا الأدب والنقد والتراث وحقوق الإنسان والبيئة إلى جانب عضوية لجانها العلميّة والتحكيميّة والإعلاميّة، وهي ممثّلة لعدد من المؤسسات والجهات الثقافيّة والحقوقيّة، وشريكةٌ في كثير من المشاريع العربية الثقافية. تُرجمت أعمالها إلى الكثير من اللغات، ونالت الكثير من التكريمات والدّروع والألقاب الفخريّة والتمثيلات الثقافيّة والمجتمعيّة والحقوقيّة.