انسلَّ النور إلى خدِّ عليّ يداعبه برفق، فجعله يتأرجح بين عالم الأحلام وعالم اليقظة؛ يتقلّب في سريره يمنةً ويسرة، ثم لا يلبث أن يمدّ يده نحو مصدر النور من النافذة المجاورة لسريره، كأنما يريد أن يقبض بكفّه على شعاعٍ دافئٍ تسلّل إلى داخل حجرته.
نهض متثاقلاً واتجه نحو الحمّام، فأدار حنفية الماء، ثم أسلم رأسه لاندفاع الماء من الأعلى، لعلّه يغسل عنه هموم الماضي التي علقت شوائبها بفكره. ولم يطفئ ذلك الماء كل ما يضطرم في صدره، غير أنّه منحه لحظةً قصيرة من السكون، كأنما نجا فيها من غرقٍ وشيك في بحر الأفكار.
في طريقه إلى العمل كان يمرّ بأطلال أبنيةٍ أكل عليها الدهر وشرب، كأنها تروي حكاية الزوال لكل شيء، وتقف شهودَ عيانٍ لكل عابرٍ بأن مصير الأشياء جميعها إلى الفناء لا محالة.
توقفت سيارته أمام مكتبة المدينة في مدينة هجران. ترجل الرجل، الذي عُرف بصمته وقلة حديثه، مسرعًا إلى ركنه المعهود حيث طاولته وكرسيه اللذان ألفهما. كان يجد في وحشة هذا المكان سكينةً غريبة؛ فالمكتبة من الداخل كانت أعمق من ضواحي المدينة وغاباتها، إذ كان كل جدار فيها يخفي حكاية. وهناك، في ركنٍ منزوٍ، كان يختبئ عن الناس داخل صفحات مفكرته، أو قل: داخل رفيق صمته.
كانت لهذه المكتبة طقوسها الخاصة، كأنها مسجدٌ صغير للكتب: دقات ساعةٍ خافتة، وصدى أقدامٍ متقطّع، وهمساتٍ لا تتجاوز حدود الرفوف. وعلى طاولته، بجانب مصباحٍ صغير وكومةٍ من الأوراق، كانت مفكرته الموسومة بـ "سمفونية الأيام". لم تكن مفكرةً عادية، بل صندوقًا يجمع كنوز الأحاسيس ودقائق المشاعر. فقد كانت حصيلة كلماتٍ وُلدت في دياجير الرفوف ودهاليز المكتبة؛ كلماتٍ نشأت في الخفاء، ثم رأت النور على صفحات هذه المفكرة، كي لا تُهمَل وتتلاشى في العدم.
كان عليّ يجلس كلَّ يوم، لا ليُبحر في عوالم الكتب أو لينشغل بتصنيف المقالات، بل ليُمعن النظر في تفاصيل البشر من حوله. كان تركيزه منصبًّا على مراقبة الشفاه، وانحناءات الحواجب، وهمسات الجفون. تختلس عيناه النظرات من وراء نظارته، تلاحقان حركة الأيدي، وتقرأان الوجوه وتعابيرها النادرة، وتلتقطان أثر النَّفَس قبل أن يُطوى في الصدور. كانت تلك التفاصيل البشرية الدقيقة هي مادته الأثيرة؛ تلك التي لا يغفل عنها فنان أو أديب ذو نظرة ثاقبة. فإذا ما عثر على موضوع صفحته الجديدة، انغمس فيه حتى لا يكاد يلتفت إلى شيء سواه، وإن شعر بأن أحدًا يتتبعه بنظراته، تفاداه بابتسامةٍ متكلَّفة تخفي فضوله.
وكانت أدقُّ الأشياء تجد طريقها إلى "سمفونية الأيام". بعض الصفحات فيها يبدو كبياضٍ قاسٍ لا يعرف الرحمة، وأخرى يغمرها السواد في معظم سطورها؛ غير أن كل صفحة كانت تحمل حياةً وحكاية، وثقلاً ومعنى، وبعدًا جديدًا يضاف إلى ذلك العالم الخفي الذي كان ينسجه بين الكلمات.
"لو آب إلى ذلك اللقاء لما وجد إلا الوجع في انتظاره.."
" أخشى أن أتلاشىى من عالم الإحساس، لم أعد أتمكن من رؤية روحي في المرآة.."
"عشقتها في الليلة التي لم أجرؤ فيها على لمس يدها.. "
" آسف، لم أتمكن من مواصلة القراءة، حتى لا تنفتح جروح قلبي من جديد.."
" لو سمحت، لا تكن مسرعا إلى الانتقاد قبل أن يبلغك جل صوتي.."
كأن الحياة كانت تتوقف عند تلك الجمل؛ جملٍ لا تبدو أسعد حظًّا من عظامٍ معروضة في متحفٍ مرموق. كان عليّ يجمعها كما تُجمع قطع الأحجية، كلُّ قطعةٍ تحاول أن تجيب عن سؤالٍ من أسئلة الوجود. فمكوّنات الروح الإنسانية ليست سوى مزيجٍ من طينات المشاعر المختلفة: عمق الحزن، ونسبة الخجل، ووزن الندم. وكان عليّ يحاول أن يقيس كلَّ ذلك بميزانٍ خفي.
وبينما كان يسبر هذه الأغوار، بدأ يقينٌ غريب ينمو في داخله: فالكلمات التي لا ترى النور تزن أضعاف ثرثرة الأفواه اللبقة. لذلك كانت مفكرة علي، "سمفونية الأيام"، أثقل من صناديق مكتظة بالكتب القديمة. صار عليّ يحمل في حقيبته شيئًا يزداد انكشافًا كلما مرَّ بحارةٍ من الحارات المظلمة، في عتمة الليل وغيهب الفكر.
ذاتَ ليلةٍ دخلت المكتبةَ امرأةٌ بلغت من الكِبر عتيًّا، وكان وجهها أشبه بصفحةِ جريدةٍ قديمةٍ باهتة. لم تطلب كتابًا ولا مقعدًا، بل انزوت إلى ركنٍ منعزل، وأخذت تتأمّل الرفوف في صمت، كأن في عينيها سؤالًا لم يجد بعدُ جوابًا.
اقترب منها عليّ برفق، وسألها إن كانت تحتاج شيئًا. فأجابت بصوتٍ هادئٍ يشوبه الحزن، ويكتنفه الحياء، وتزيّنه دمعةٌ انسابت على خدّها:
"آه يا بنيّ، لقد فقدتُ ولدي وهو حيّ. كيف تفرّق الشمل وتبدّد جمع الأسرة! يا لوعةَ الفراق وما يفعل بالإنسان. لعلّي لم أكن أمًّا مثاليّة، لكن ماذا فعلتُ حتى تصل الأمور إلى هذا الحد؟ ما الذي دفعه إلى هذا الهجران؟ لست أدري. كثيرًا ما أراجع خطاي وأتتبّع أثر أخطائي، علّ هذا التفكير يعيد إليّ جوابًا. ليت الله يشفي قلبي بقرب ولدي قبل أن أغادر هذه الدنيا… آهٍ من هذه الحياة، كم تبدو قاسية وبائسة!"
هنا ربَّت علي على كتفها، ثم قال بثقة:"لا تقولي هذا، لا تتشاءمي، لا تيأسي من روح الله، لا بأس عليك يا أماه، لعل الغد الذي ينتظرك أفضل من الماضي الذي هجرك، وقد قال الشاعر قديما:
|
لَعَلَّ اِنحدارَ الدَمعِ يُعقِبُ راحَةً |
|
مِنَ الوَجدِ أَو يَشفي نَجِيَّ البَلابِلِ[2] |
كلنايا أماه نتصارع مع أشباح الماضي، ونقاتل هموم الغد،وما أكثر ما نضمد جروحا تركها لنا الآخرون! ثم جلس علي وبدأ يكتب ويسجل، سطر وراء سطر، عند لحظة ما بح صوت المرأة المسنة؛ فلم تسطع أن تبين جيدا، فالحروف لم تخرج بالصوت الكافي، فنظر إليها علي، وكتب الكلمات.. التي لم تكن:
" كنت أود أن أقول لابني، لقد أخطأت كثيرا فسامحني قبل أن أترك هذه الدنيا" عندما رأت المرأةتلك العبارة، نظرت إليه بنوع من الامتنان والخجل، ثم قالت بصوت أرق: لقد أخافني الاعتذار...!
لم تكن هذه اللوحة الأولى ولا الأخيرة، أمور أخرى حدثت، قصص أخرى كتبلها أن تكونوألا تكتمل:
ذاتَ يومٍ، دخل شابٌّ المكتبة بعد الظهيرة بقليل، حين كان الهدوء يخيّم على المكان. كان يحمل كتابًا لا يبدو أنه في حاجةٍ إليه. جلس إلى الطاولة المجاورة للنافذة، ثم فتح الكتاب أمامه دون أن يقرأ. كانت عيناه تسافران أبعد مما تفعل صفحات الكتاب بين يديه.
راقبه عليّ كما اعتاد أن يراقب أولئك الذين لا يعرفون ماذا يفعلون بأيديهم. كان الشاب يُخرج من جيبه شيئًا صغيرًا مطويًّا، يتأمّله لحظة، ثم يعيده إلى جيبه، ليخرجه من جديد بعد قليل. يفتحه ببطء، ثم يحدّق فيه طويلًا، كأنّه يخشى أن يبوح الورق بسرٍّ يحمله في طيّاته.
لم يقترب علي منه، لكنه رأى من بعيد طرف تذكرة سفر قديمة، ليست تذكرة ذهاب وإياب، كانت ذهابا فقط.
بعد ساعةٍ من التردّد، نهض الشاب فجأة، وأغلق الكتاب بإيماءةٍ توحي باضطرابٍ خفيف، ثم تركه على الطاولة دون أن يعيده إلى مكانه. ربما نسيه حقًّا، وربما تظاهر بالنسيان، كأنما ترك تلك التذكرة خلف الصفحة الأخيرة عن قصد.
انتظر عليّ حتى غادر الشاب، ثم نهض ببطء، وتقدّم نحو الطاولة، وحمل الكتاب برفق. وما إن رفعه حتى انزلقت التذكرة إلى الأرض، كاعترافٍ خجولٍ أفلت من بين الصفحات. انحنى والتقطها، فقلبها بين أصابعه. وعلى ظهرها، بخطٍّ مرتعشٍ يحمل أثر قلمٍ جاف، كانت كلماتٌ قصيرة مكتوبة:
" كنت أريد أن أقول لك في المطار: لا تسافري!لكنني خفت أن أبدوا أنانيا.. والآن أسافر أنا دونك...!"
توقف علي عند الجملة الأخيرة طويلا، لم تكن الجملة مكتملة، تنطوي على فراغ واضح، كأن الشاب كان يريد أن يضيف شيئا ثم عجز عن ذلك. عندها جلس علي إلى طاولته، وفتح مفكرته، وكتب:
"قال لها في قلبه: ابقي..وقال لها بلسانه: رحلة سعيدة...!"
ثم أضاف سطرا آخر، لم يكن موجودا على التذكرة:
" بعض الناس لا يخسرون الحب..بل يخسرون الشجاعة لحظة الحب...!"
ثم أعاد التذكرة إلى مكانها بين صفحات الكتاب، دون أن يكتب اسم الشاب، لم يكن يحتاج إلى الاسم..
فقد كانت الرعشة في الخط كافية لتدل عليه..
في المساء، حين عاد إلى بيته، سرح بفكرهنحو المطارات؛فكيف يمكن لبوابة واحدة أن تبتلع مدينة كاملة من الكلمات التي لم تقل؟ كم من "لا تسافري" ضاعت بين إعلان الرحلات، وصوت العجلات على الأرض المسطحة.
لم تكن هذه اللوحة الأولى ولا الأخيرة، أمور أخرى حدثت، قصص أخرى كتبلها أن تكون وألا تكتمل:
في يومٍ ماطرٍ دخلت المرأة المكتبة في ساعةٍ متأخرةٍ من النهار، حين كانت الشمس تتراجع ببطء، كأنها تعتذر عن ضوئها. لم تكن شابةً ولا مسنّة؛ كانت في ذلك العمر الذي تتشابه فيه الأزمنة وتختلف فيه الندوب. جلست في ركنٍ بعيد، وضعت حقيبتها على الطاولة، وأخرجت كتابًا لا يتجاوز عدد صفحاته المئة، ثم ظلت تقلّب الصفحة الأولى وحدها. لاحظ عليّ أن يدها اليسرى تمكث داخل الحقيبة أكثر مما ينبغي، كأنها تبحث عن شيءٍ لا تريد أن تجده.
لم تكن تقرأ، بل بدت كمن ينتظر أن يحدث شيءٌ منذ زمن. وعلى حين غرّة سقط من حقيبتها منديلٌ صغير، قطعة قماشٍ بيضاء مطويّة بعناية. لم تنتبه إليه، بل ظلت تحدّق في الصفحة الفارغة أمامها، كأنها ترى عليها فيلم حياتها يُعرض بصمت. تقدّم عليّ بخطواتٍ هادئة، وانحنى ليرفع المنديل من الأرض. وقبل أن يناديها، وقعت عيناه على كلمةٍ مطرّزة بخيطٍ أحمر داكن: "كفى". لم تكن كلمةً عابرة، بل كانت مطرّزة بإتقانٍ متأنّ، كأن صاحبتها أعادت خياطتها أكثر من مرة. وحولها آثارُ وخزٍ صغيرة، كأن الإبرة دخلت القماش بشيءٍ من الغضب. رفع عليّ رأسه نحوها، وقال بلطف:
"سقط منك هذا"، نظرت إلى المنديل في يده، ثم إليه، ولم تمد يدها فورا، إنما قالت بصوت خافت لكنه متماسك:" لم يسقط مصادفة.. كنت أعرف أنه سيسقط يوما ما.."، أخذته أخيرا، وأعادت طيه ببطء، كما لو كانت تعيد طي قرار مؤجل..
لم يسألها علي عما تعنيه الكلمة، لم يكن بحاجة إلى تفسير، لكنه عاد إلى طاولته، وفتح دفتره، ثم كتب:
كتبت " كفى" على قماش كي لا تقال في وجه أحد..
خافت أن تحترق الكلمة إن خرجت من فمها..
فخبأتها في حقيبتها..
تنتظر يوما لا ترتجف فيه يدها..
ثم أضاف سطرا آخر:
"بعض الكلمات لا تحتاج إلى صوت.. لكنها تحتاج إلى لحظة.."
في المساء، حين خفّ الزحام، مرّت المرأة قرب طاولته قبل أن تغادر. توقّفت لحظة، كأنها تريد أن تقول شيئًا. تحرّكت شفتاها قليلًا، ثم استقرّتا في صمتٍ مدرَّب. اكتفت بإيماءة رأسٍ قصيرة، ومضت.
ظلّ عليّ يتأمّل الباب بعد خروجها. تساءل: كم مرّة كتبت هذه الكلمة قبل أن تجرؤ على تطريزها؟ وكم مرّة كتمتها قبل أن تخاف من نطقها؟
في تلك الليلة، حين راجع صفحات الدفتر، شعر أن كلمة "كفى"وحدها أثقل من فقرةٍ كاملةٍ من الاعتذارات. لم تكن اعترافًا، ولا حبًّا، ولا ندمًا؛ بقدر ما كانت حدًّا.
والحدود… دائمًا مخيفة.
كل قصة في مفكرة علي سمفونية الأيام كانت لهاجملة لم تقل، وكل جملة كانت تشكل صفحة في مفكرته.
ومع تزايد هذه الجمل، بدأت مفكّرة عليّ تغيّر عاداته. لم يعد يتناول الشاي في المكتبة، بل صار يفضّل أن يقضي الليل مع شمعةٍ وحيدة يكتب على ضوئها. كان يمسك القلم كأنّه يحمل ميزانًا، يزن به الكلمات قبل أن يطلقها على الورق.
أحيانًا كان يخرج إلى الشارع، يحمل الدفتر في حقيبته، ويشعر به وهو يتمايل فيها. ثِقَلٌ يحسّه كأنّه ثقلُ شيءٍ لم يُدفن بعد. لم يعلن يومًا عن وزن مفكّرته، لكنه كان يرى الفرق، وهذا الفرق كان يرهقه، كأنّه ريحٌ تُقاس على ظهره.
ثم جاء اليوم الذي واجهته فيه المفكّرة بنفسها. في تلك الليلة الهادئة، بثقل ظلمتها، لم يستطع النوم. فتح مفكّرته ليقرأ، غير أنّ بصره وقع على صفحةٍ نصفها شغف ونصفها وجع. سطرٌ طويل لم يكتمل، ينتهي عند نقطةٍ لا قيمة لها إلا في صدر عليّ. كلماتٌ صغيرة تقرع كجرسٍ بعيد.
لقد تذكّر تلك الجملة:
" لم يسقط مصادفة.. كنت أعرف أنه سيسقط يوما ما.."
ثم توقّفت الجملة عند عليّ، كما تتوقّف الحياة عند جنازةٍ لم يحضرها أحد. ظلّ يحدّق في الفراغ بعد النقطتين… وكأنّ الفراغ نفسه يسأله: من أنت لتكتب اعترافات الآخرين وتنسى نفسك؟!
كانت الحقيقة بسيطةً ومروّعة في آنٍ معًا: طوال تلك السنين كان يحمل كلمات الآخرين، دون أن يمنح كلماته هو قدرًا من المساحة أو متنفسًا. كان يستضيف الاعترافات الثائرة في مفكّرته، بينما جملته الخاصة تبقى رهينة محبسين: المفكّرة… والنفس.
في تلك الليلة الحالكة خرج من البيت، تاركًا «سمفونية الأيام»خلفه. لم يكن خروجه مجرّد خروج، بل كان أشبه بسفرٍ أو غياب. كأنّه مضى يبحث عن شتات نفسه في هدوء الظلام.
فالموسيقى قد تحضر…
لكنّها، في النهاية،
لا تأتي إلا بعد صمتٍ طويل،
وتترك وراءها…
الصمت ذاته.
[1] الكاتب: د. سيد ذوالقرنين بشير، يعمل محاضرا تعاقديا بقسم اللغة العربية في جامعة كشمير، حاصل على الدكتوراه من جامعة جواهر لال نهرو بالهند، والبكالوريوس من كلية العلوم الشرعية بسلطنة عمان. للتواصل: zooknot@gmail.com
[2] الشاعر الأموي ذو الرمة.