كان لي صديقٌ—اسمه أحمد—أحببته، وأحببتُ فيه سلامة قلبه، وصفاء سريرته، وصدقه ووفاءه في القرب والبعد، في غضبه وحِلمه، في سخطه ورضاه. ثم فرّق الدهر بيني وبينه فراقَ حياةٍ لا فراقَ ممات.
وحدث يومًا أن بلغني ما ألمّ به من مرضٍ لا يُرجى له شفاء، فعزمت على زيارته. فلما دخلتُ غرفته، وجدته جالسًا وحده، منكّس الرأس، منكبًّا على مكتبه، وقد اغرورقت عيناه بالدموع. كانت ملامحه تنطق بما يعتصر قلبه من حزنٍ دفين. فلما رآني، ظلّ شاخصًا إليّ هنيهةً، لا يطرف.
سألته عن حاله، فنظر إليّ نظرةً دامعة، وزفر زفرةً كادت تخلع أضلاعه، ثم تنهد طويلًا، وقال بصوتٍ متهدّج:
"لم يمضِ على ذلك إلا أيام قليلة… كنتُ متوجّهًا إلى قسم اللغة العربية، فإذا برسالةٍ تظهر على شاشة هاتفي، تحمل كلماتٍ من المحبة والمودّة والغرام. لم أُعرها اهتمامًا في البداية، حتى أرسلت إليّ رسالةً أخرى في منتصف الليلة الثانية، تسألني: يا حبيبي، أأنت غاضبٌ مني؟ ولماذا؟ وما شأني؟
لم أُجبها، بل أرسلتُ إليها أبياتًا من الشعر:
يا أيُّها الصوتُ الذي أحببتهُ
ورأيتُ فيه هدايتي ورشادي
لك في الحضور تلهّفي وتودّدي
لك في الغياب محبّتي وودادي
كنتُ قد عزمتُ على الحديث معها قبل نحو خمسة عشر يومًا، ثم تراجعت، إذ لم أكن أحبها. ولسوء الحظ، كانت من أقاربي، وكنتُ قد رأيتها من قبل؛ اسمها "أنجم"—فتاة جميلة، ذكية، خلوقة، مثقفة.
فلما أجبتُها بأني لستُ غاضبًا، توالت بيننا الرسائل، حتى انغمسنا في أحاديث حبٍ صافٍ، بريءٍ من الخلاعة والمجون. انعقد بين قلبي وقلبها عهدُ ودٍّ لا يحلّه إلا الموت. ولم أعد أجد لذة الحياة إلا في الحديث معها، حتى غدوتُ أؤثر ساعةً أقضيها في صحبتها على جميع مسرّات الدنيا.
فإذا انقطعت عني، غِبتُ في أوهامٍ مظلمة، وأفكارٍ مضطربة، تهيج في نفسي أمواج الكآبة، وتغمرني ظلمات الحزن. وكنتُ أرتعد خوفًا، وأتمتم: يا إلهي، أيّ مصيبةٍ ألمّت بها؟ وأيّ بلاءٍ نزل بها؟
وفي يومٍ من الأيام، وبينما كنتُ جالسًا في دار المطالعة، رنّ هاتفي فجأةً رنينًا كأنه نذير شؤم. كان المتصل رجلًا مجهولًا، قال لي: إياك أن تنخدع؛ فالفتاة التي تحبها تخونك، وتتحدث معي منذ زمن طويل.
ما إن سمعتُ كلامه حتى كأن صاعقةً نزلت على رأسي، فبهت لوني، وارتجفت أركان جسمي من شدّة الغضب. ولم أتثبت من الأمر، بل اتصلتُ بها فورًا، وانهلتُ عليها بأقسى الألفاظ وأبشع الاتهامات، دون رويةٍ أو تفكير.
كانت صامتةً لا تنطق، لا تدافع عن نفسها، ولا تردّ. ثم قالت بصوتٍ مكسور:
"أين ذاك الرجل الكريم، النبيل، الذي أحببته؟ كيف يرمي سهام التهم عليّ؟"
وانفجرت باكية، تتساقط دموعها كحبات اللؤلؤ، وهي تتمتم: "اللهم ارحم حبيبي الذي اعتززتُ به…"
ثم انقطع الاتصال.
حاولتُ الاتصال بها مرارًا—بل مئات المرات—لكن دون جدوى. وبقيتُ بعدها أسكب الدموع، وأحترق بنار الندم، كغليان الماء في المرجل.
وكنتُ أردد ليلًا ونهارًا قول كثير عزة:
وما كنتُ أدري قبلَ عزةَ ما البُكا
ولا موجعاتِ القلبِ حتى تولّتِ
وما أنصفتْ أمّ النساء فبغّضتْ
إلينا، وأما بالنوالِ فضنّتِ
وبعد أيام، اتصلت بي صديقتها "فائزة"، وقالت بصوتٍ خافت:
"يا أحمد، هل علمتَ ما جرى لها؟"
سألتها بقلق: ماذا حدث؟
قالت: "لقد انتظرتك طويلًا، ورفضت الزواج من أجل حبها لك. لكنها صُدمت باتهامك، فانهارت نفسيًا. ثم أُجبرت على الزواج من أحد أقاربها، وكانت لا تطيقه. فمرضت، واشتد عليها الألم، وظلت تذكر اسمك في سكرات الموت… حتى فارقت الحياة."
ما إن سمعتُ ذلك حتى فقدتُ صوابي، ورفعتُ بصري إلى السماء باكيًا منتحبًا، أدعو لها:
"اللهم نوّر قبرها، وبرّد مضجعها."
ومنذ ذلك الحين، وأنا غارقٌ في دموعي، أسيرُ ندمٍ لا ينتهي، وحسرةٍ لا تنمحي…
*********************************************************************
[1] باحث الدكتوراه في مركز الدراسات العربية والأفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي