(1)
الجُملة العصيَّة، تُحيِّرُنا دائماً في شكل إطارِها، إطارُ اللا شيءِ، أو السَّهوِ.
مِن هُنا كانتِ البِداية، حين دخلتِ الأشياءُ الخفيِّة عالمَها المحتومَ.
أمامَ المرآةِ، تتحوَّلُ إلى - هي - التي تُريدُ، بالأحرَى تُحاوِلُ، أن ترَى مِن خِلالِ فكرتِها، كيف ستُصبِحُ كما أرادتْ لنفسِها أنْ تكونَ.
زعمَتْ، ويأخذها الزَّعم عِدَّةَ مرّاتٍ لتعرِف، لماذا كُلَّما استدرجتْها مراياها، يظهر لها شخصٌ آخرُ!
ذاتَ ليلةٍ اخترعتْ لها شكل سيجارة غيرِ موجودةٍ فِي الأسوق، بعدَ كتابتِها لقصيدةٍ فاشلةٍ، مزَّقتِ الورقةَ نِصفينِ؛ نصفٌ أحرقتْهُ كي لا يعثُر عليه الذي سيتحوَّل، والنّصفُ الآخرُ طوتْهُ، وأولعتْهُ، ثُمَّ بدأتْ تلتهِمُ دخانَهُ.
تحسَّستْ جسدَها البض، صمتتْ طويلاً، التهمتْ عِشرين سيجارة ملفوفة على كلماتها، احترق الحِبر الأزرق وتحوَّل رماداً. اصفَرَّ إصبعاها، تشفَّتْ بها وحدتها، ثمَّ تشفَّى بها الوقت.
بصعوبة بالغة تنفسَّتْ الدُّخان الأسود النّاجم مِن الحرق، أدمعتْ عيناها، في محاولتها الهروب مِن غُرفتها، سمعتْ صوت عزف قادم مِن بعيد!
خُيِّل إليها أنَّ الصَّوت يتكرَّر مُدوزَناً بمهارة، دنتْ أكثر مِن المرآة، كانتْ أصابعَ تعزِف في الهواء، الصَّوت يعلو، ولا آلة عزف، لكنَّه كان مُدوزناً بمهارة.
لا شيء ستخسره لو وجَّهتْ للأصابع أسئلة مُستفسرة عن هويتها! ما الذي سيحصل أكثر، لو تعطَّرتْ، وتزيَّنتْ، وتحلَّتْ بِحُليِّها البرونزيَّة التي اشترتْها عصراً مِن مُنتصف سوق المدينة.
هي لم تشترِ العُقد البُرونزيَّ، كما أنَّها لا تُحبُّ هذا اللون، وأغلب حُليِّها مِن الفضَّة الأصليَّة. ما الذي جعلها تختار طقماً كاملاً مِن البرونز! العُقد، الأقراط، الأسورة، الخاتم. أصبعها، جيدها، معصمها، لم يكونوا مُهيَّئينَ للون تكرهُه.
كُلَّما شخَصَتْ عيناها بجهة مِن جهات المِرآة، كُلَّما مرَّتِ الأحلام كئيبة، وقاصرة عن ترجمة نفسه.
تنقَّلتْ ثانية جِهة القلب، كان غريباً، كما لو خُلِق مِن زُجاجٍ، شعرتْ لحظتها أورِدتُه بدِفءِ الدَّثار الأزرق، قد يكون بِسبب البرد تصرَّفتْ بفعلٍ غير إراديٍّ لترَى جسدها كُلَّه وكأنَّه حقلٌ أزرقُ.
لم يَكُن مُعتلّاً، فصِفة الزُّرقة للبدن المُعتلِّ، بدا منبوذاً عنها وهو يُنصِتُ للموسيقَى.
إنَّما أثناء العزف تحلَّتْ به، ذلك العُقد البُرونزيِّ، وتعطَّرتْ، استغربتْ ماركة العطر، (نينا رج)، (غريب)، قالتْ ذلك، ورشَّته تحت أذنيها وعلى عُنقها ويدها اليُمنَى. ما الذي حوَّلها إلى (شولاء)!
ابتسمتْ باستِغرابٍ لساعةِ يدها، في المِعصم الأيمن، غريبٌ جِدّاً أمرُها الليلة!في خِضَمِّ استغرابها ورَتابة العزف، تجسَّدتْ ربابة في المِرآة، شيئاً فشيئاً تحوَّلتْ إلى آلة عود، تحوَّلتْ إلى كيتار، ثمَّ تلاشتِ الأشكال، والصَّوت، والأصابع، لكِنْ بَقِيَ إصبعٌ واحِدٌ مُشيراً إلى إصبعِها المُوجَّهِ إلى ذات الإصبعِ في المرآةِ.
(2)
* لم يدُرْ بِخُلدِها يوماً، أنْ تتعرَّى الألوانُ، فكيفَ لجَمادٍ أنْ يتَّخِذَ شكلاً بإرادتِهِ، أو مِن دونِ إرادتِهِ!
هل يستطيعُ اللونُ مواجهةَ هَيأتِهِ الُأخرَى؟
لم يَتغيَّرِ الزَّمنُ، الزَّمنُ لم يتحوَّلْ إلى إنسانٍ مثلاً، كما فعلَ اللونُ الأبيضُ، والأحمرُ، نَفَتْهُما إلى صورةٍ تخيَّلتْها للوحتِها الجديدةِ.
تمدَّدَ اللونُ الأحمرُ وأخذَ أكبرَ مِساحةٍ مِن قُماشِ (الكنفز) لم تُضِفْ إليهِ أو تَخلِطْهُ بِلَونٍ آخرَ، خاصة الأبيض. فقد فضَّلتْ بياضَ القُماشِ.
حرَّكتْهُ في كُلِّ الجِهاتِ، بدا معجوناً بزيتٍ، أو (قار) لسماكتِهِ، فكُلَّما أوغلتْ في التَّحريكِ ليأخذَ شكلاً تنطلِقُ مِنهُ، كُلَّما تماسكَ معَ بعضِهِ والتفَّ حولَ نفسِهِ.
أشرعتْ النّافِذةَ لعلَّ الشَّمسَ تجعلُ اللونَ يسيحُ، فهي لا تريدُ تدخُّلَ الفُرشاةِ، بل بالتحريكِ الكُلّيِّ والدورانِ اللونيِّ لتأخذَ رسمتُها الشَّكلَ الذي تُريدُ.
مرَّ الوقتُ أكثرَ بُطئاً مِن ساعةٍ عاطِلةٍ، هو ليس بوقتٍ، أو زمنٍ، أو شكلٍ، هو ذهولُ الدورانِ.
في الليلِ، تأمَّلتْ لوحتَها مَليّاً. كيفَ سيكونُ لها ابناً، أو بِنتاً مِن لونَينِ، كما أنَّها غيرُ مُتَزوِّجةٍ!
افترضتْ أنَّها تزوَّجتْ، بعدَ اختيارٍ وتأنٍ، هل يُمكنُ ألّا تتعرَّضَ حياتُها لخيانةٍ زوجيَّةٍ؟
تساءلتْ فقط، والغتِ الفِكرةَ، حينَ غيَّرتْ اتِّجاهَ دَوَرانِ اللونِ الأحمرِ.
عشقتْ، استعذبَتْ العِشقَ، استشرَى مرضٌ في اللوحةِ، ودارَ هو الآخرُ حولَ اللونِ الأحمرِ. فكساً مُحيطَ الدّائرةِ بعضُ الصُّفرةِ الخَفيفةِ، مِن جانبٍ، بينما باقِي المُحيطِ استفحلتْ عليهِ صُفْرَةٌ داكِنَةٌ.
قرَّرتِ السَّفرَ خارِجَ المدينةِ لأسبوعٍ، لعلَّ الضَّياعَ يتبددُ، ولِحُسنِ حظّها، أمطرتِ السَّماءُ بِغَزارةٍ، مِمّا تعذَّرَ عليها الخروجُ بِهذهِ الكثافةِ مِن المطرِ. كان الوقتُ لَيْلاً، والرِّيحُ تَشْتدُّ وتتآمَرُ مع الوقتِ.
ليسَ تآمُراً، أو قد يكونُ تآمُراً مِن قِبَلِ الرِّيحِ، لاستِكمالِ اللوحةِ المَجهولةِ.
هل سيتحملُ قُماشُ (الكنفز) التَّصدِّيَ للرِّيحِ؟
هل سيثورُ ضِدَّ التَّآمُرِ عليهِ؟
هل سيبقَى أم يتحوَّلُ إلَى لونٍ آخرَ، ذلك الأحمرُ اللعينُ؟
إلى أين هي ذاهِبةٌ، وقتماً قررتِ الخروجَ مِن البيتِ والسَّفرَ لِمُدَّةِ أُسبوعٍ؟
افترضتْ كما لو أنَّ لها وِجهة مُحدَّدة تنوِي السَّفرَ إليها فِعلاً، بعدَما يعلو السَّماءَ الصَّحوُ.
شمالاً، جنوباً، شرقاً، غرباً. المُسافِرونَ فِي القِطارِ معها، كانوا عَرَباً، كُرداً، غَربيِّينَ، عُجماً، باكستانيِّينَ، هُنوداً، شُقراً، سُمراً، بيضاً، سوداً، يختلِفونَ، لكِنَّ تجمُّعَهم فِي التَّشابُهِ ثيابُهمُ الحمراءُ.
ظنَّتْ لِلوَهلةِ الأولى أنَّ كُلَّ هؤلاءِ ذُرِّيتِها، عِلماً بِأنَّ لا أحداً يُشبِهُها إطلاقاً، كما أنَّها غيرُ مُتَزَوِّجَةٍ، فَمِنْ أين تُصبحُ لها هذه الذُرِّيَّةُ الكَونيَّةُ؟
لاحظتْ أنْ لا أحلامَ فرحٍ على وجوهِ الجميعِ، ولا بأسَ فِي عيونِهم المُتوحِّدةِ مع الخوفِ. استفزَّها شيءٌ مُخيفٌ على الجِباهِ كُلّها. دائرةٌ محفورةٌ عميقاً اصطبغتْ باللونِ الأحمرِ، تُشبِهُ تِلكَ الدّائرةَ التي يصبغُها المُتظاهِرونَ بالعبادةِ وكثرةِ الصَّلاةِ.
وقتَ استمرارِ العاصِفةِ وتآمُرِ الرِّيحِ، ارتأتِ استطلاعَ الجوِّ، فِي مُحاولةٍ مِنها لموارَبةِ بابِ الدّارِ. هجمتْ عاصِفة سوداءُ، تفتَّتَ الزَّيتُ، تفتَّتَ مُصارِعاً مُكوَّنه المُتماسِكُ، تفتَّتَ هارِباً مِن مُحيطِهِ المُرصَّعِ بِبُقَعٍ صفراءَ.. مُتَحوِّلاً إلى بُقعةٍ سوداءَ داكِنةً.
فِي الصَّباحِ، كان الزَّمنُ ذاتُهُ، بشكلِهِ المعهودِ، لم يتغيَّرْ، لم يتحوَّلْ ما تحوَّلَ هو اللونُ. فِي البرِّ، في البحرِ، في الأبنيةِ العاليةِ والدُّورِ البَسيطةِ والقُصورِ.
بِخُطَى مُتثاقِلةٍ اقتربتْ مِنَ السَّريرِ.مخدعُها، المِلاءاتُ، الأغطيةُ، قِنديلُ الضَّوءِ، مُتثاقِلونَ مِثلها، أوعَزَتْ لنفسِها أنَّ سببَ التَّثاقُلِ هذا اللونُ القابِلُ للتَّحوُّلِ، والذي أصبحَ بإرادتِهِ بُقعة داكِنةً.
(3)
تُريدُ الخروجَ إلى عالمِ الأرضِ الأخضرِ، تُريدُ هِيَ ذلكَ، ويُغالِطُها شعورٌ بأنَّها تُشبِهُ نحلة بَرِّيَّة. ظُهراً صارتِ الفِكرةُ قيدَ التَّنفيذ.
قرأتْ كثيراً عن الزَّهرِ الدّامعِ، وكانتْ تتصوَّرُ أنَّ ثَمَّةَ بُستانِيٌأو مُزارِعٌ جبانٌ ابتكرَ هذا الاسمَ.
زمَّتْ شعرَها إلى الخلفِ بشريطٍ أسودَ، وخرجتْ حامِلة سلَّةَ الحياةِ صوبَ حديقةِ المدينةِ. الحديقةُ العامة مِلكٌ للجميعِ، هكذا الوطنُ، بكُلِّ مُستلزماتِ الحياةِ الجماليَّةِ، مِلكٌ للجميعِ.
عِلماً أنَّ درجةَ الحرارةِ عانقتْ الشَّمسَ التي ابتلعَ فمُها النَّدَى المُستعذِبَ لونَ الحشائشِ.
الظَّهر، تعرفَّتْ على الأمكِنةِ، الزَّوايا، جِهةَ الصُّخورِ بلونِها الطُّوبِيِّ، أفواهٌ عطشَى، لَثمةُ وردةٍ أو شجرةٍ.
افترشتْ مِنديلاً أصفرَ، باحِثة عنِ الرُّوح المفقودةِ فِي الحديقةِ. إذ ليسَ هُناكَ نَبْتة لزهرةٍ، أو شجرةٌ مثمرةٌ، كانتْ الحشائشُ بِمَثابَةِ فضاءٍ كُلِّيٍّ استأنسَ فُستانَها الحريريَّ المُشجَّرَ.
اعتادتْ فِي خُلوتِها مع الذّاتِ التَّحدُّثَ إلى الطبيعةِ كصديقٍ مُقرَّبٍ لروحِها، عادةٌ اكتسبتْها مِن أُمِّها الشّاعِرةِ، عاشِقةِ التَّنزُّهِ والأشجارِ والحدائقِ.
أنشدتْ أغنية ألَّفتْ كلماتِها ولحَّنتْها، لِتجعلَ الحجرَ الصَّلدَ ينطِقُ بِلُغةٍ أُخرَى غيرِ الصَّمتِ. الحجرُ رصفهُ مُهندِسٌ بارِعٌ على شكلِ مُثلثاتٍ فاصِلةٍ بينَ الحشيشِ والجِدارِ، تارِكاً مِساحة بِعَرضِ نِصفِ مِترٍ محروثة غنيَّة بالسَّمادِ الكيميائيِّ والعضويِّ.
ليس المطر خبيثاً، ولا يدُ المُزارِعِ فِي شحةِ الماءِ، لتَنبتَ زهورٌ بألوانَ مُثيرةٍ لِغنجِ الرَّحيقِ.فيما هي تَعُدُّ لاستخراجِ ما جلبتْهُ معها مِن غذاءٍ بسيطٍ يسدُّ الرَّمقَ، وزجاجة (كوكا كولا) سمعتْ صوتاً مُتحشرِجاً صادِراً مِن إحدَى الجهاتِ الأربعِ التي تحدُّ سورَ الحديقةِ.
أمعنتِ النَّظرَ بِحُبِّ الاستِطلاعِ، وإذا بجسدِ امرأةٍ عجوزَ مُنحنياً علَى نفسهِ، جاهِداً بعمودِهِ الفقريِّ لمُحاولةِ الانتِصابِ، إنَّما بدتْ المحاولاتُ فاشِلةً، عِلماً أنَّها استمرتْ في الغِناءِ تشجيعاً للعجوزِ، دونَ فائِدةٍ. بقيتْ مُنحنيةًيخترقُها الهواءَ فتميلُ حيثُ هو ونتوء بِثِقلِ الزَّمنِ عليها.
جسدٌ آخرُ لوردةٍ مُسجَى على الأرضِ قُربَ العجوزِ، كان لامرأةٍ شارفَتْ الأربعين. آخر ثُمَّ أخرَى لفتياتٍ لمّا تزلْ ملامِحُ الصِّبا مرسومة في مُحيّاهنَّ وأجسادِهنَّ اللدِنَةِ.
أهذهِ حديقةُ النِّساءِ التي قرأتْ عنها في كُتبِ الخيالِ؟
لم تقرأْ في (ألف ليلة وليلة) ذلكَ، قرأتْهُ في كتابِ مُخيِّلتِها، لا أحدَ يعرِفُ بهِ، إنَّهُ ملكها الخاصُّ.
عبَّتِ الروائحَ العَطِرةَ فانتشتْ طرَباً تارِكةً الغداءَ يلوكُهُ الذُّبابُ.
بين الزَّهورِ الصَّبيَّةِ زهورٌ بلا أوراقٍ، مُجرَّدُ أغصانٍ خاويةٍ.. أخرَى بأوراقٍ وأغصانٍ نحيلةٍ، زهورٌ دامِعةٌ، ذاتَ لونٍ زهريٍّ كما امرأةٍ أدمعتْ عينَها، "عين الزهر" كان بنفسجيّاً داكِناً.
كانتْ لكُلِّ نَبْتَةٍ حِكايةٌ، ولكُلِّ حِكايةٍ دموعٌ، وكُلُّ دَمعةٍ تتكلَّسُ وتتحجَّرُ حافِرةً أخاديدَ عميقةً على البتلّاتِ.
هل أخطأتْ هذه الزُّهورُ لِتدفعَ ثمنَ أخطائِها بالدموعِ؟جاءَ الجوابُ عقيماً، إذ ليسَ ثَمَّةَ شيطانٌ يُوسوِسُ لزهرةٍ.
إحداهُنَّ كانتْ نحيلةً، شبَّهتها بامرأةٍ تُقاوِمُ المرضَ، بكِبرياءِ الأُنْثَى ذاتِ الألوانِ المُزهِرةِ ابتسامتُها بوجوهِ النّاظرينَ. تلسعُها النَّحلاتُ كُلَّ حِينٍ، مُتلذِّذةٍ بالرَّحيقِ.
أشجارٌ بلا جُذورٍ، كأنَّها نبتتْ في الهواءِ، بدتِ الشَّجرةُ المقْسومةُ لِنِصفَينِ: نِصفُها الأيمنُ ذابلٌ، الأيسرُ مُتخشِّبٌ، تُشبِهُ شجرة عقيمةً.
الخريفُ يأتي بلحظاتٍ، لا يمكنُ للطبيعةِ على هذا الاختراقِ غيرِ المُبرَّرِ!
لا أحدَ يعرِفُ غِناءَ الأشجارِ مِثلَها، لا شجرَ يرَى النُّورَ إلّا علَى صَوتِها هيَ! اللحظة الصّامِتَة بلا لونٍ الآنَ ولا طعمٍ.
صمتَتْ أصواتُ الزُّهورِ والأشجارِ، أين عناقيدُ الوردِ الدّامِعِ؟ أينَ زهرة الكاميليا، زهورُ الكاردينيا... مدَّتْ يدَها لِتَلمِسَ الأرضَ، تحسَّستْ بقايا النِّساءِ المُعطَّراتِ، مُجرَّدُ قشٍّ، تحوَّلَ إلى رمادٍ.
بألمٍ مُؤسِفٍ جمعتْ مُحتوياتِها هامَّة بالرُّجوعِ إلى الدّارِ، قبلَ خروجِها مِنْ حديقةِ المدينةِ، شاهدتْ تَحوُّلاً غريباً، قُربَ مَوضِعِ كُلِّ شجرةٍ وزهرةٍ رجلٌ عارٍ، بِضلعٍ مُجوَّفٍ.
زهرةُ طِفلةٍ لوَّحتْ لها مِنْ بَعيدٍ، وغابتْ.
التفتتْ لِمكانِ التَّلويحِ، لم تجدْ لهُ أثراً.
الحشائشُ لم تَعُدْ قادِرةً على مُقاومةِ التَّحوُّلِ، فانسجمتْ مع المُحيطِ حولَها، واستأسدتْ عليها الصخورُ... عِندَما كَبُرَ حَجمُها، تصخَّرتِ الأرضُ.الضَّجرُ سيِّدُ المكانِ، هو الوحيدُ المُتفرِّجُ على حالةِ التَّصخّرِ الذي أخذَ شكلَ غولٍ.
(4)
الأمكنة غاضِبَةٌ، مُحتوياتُ المنزِلِ أكثرُ غضباً مِنْ أمكنتِها، القدَرُ المحتومُ لا يخلِقُ ضَجَراً، ولا يُحوِّلُ الهدوءَ إلى جحيمٍ.
مَنْ يا تُرَى يَستمعُ لِشَكواها!حتَّى هي ضجِرةٌ، التَّكرارُ ذاتُهُ، سطوةُ جسدِها المُنهكِ على الوسائدِ والسَّريرِ، حقيبتُها المرميَّة على الأريكةِ، كُتبُها الثَّقيلة الوزنِ ملَّتْ هيَ الأخرَى مِنْ تَصفُّح أصابعِها وتحديدِ بعضِ المُلاحَظاتِ بالقلمِ العريضِ.
المشاجِبُ اغتنمتِ الفرصةَ، ورمتْ قُمصانَها أرضاً.
الملاعِقُ والصُّحونُ، لا ترغبُ الخضوعَ لوحشيةِ شكواها الرَّتيبةِ أثناءَ تناولِها الطِّعامَ. وخزَتْها ذاتَ يوم مُتعمدةً، بينما هي أوعزتْ ذلِك لسَرَحانِها. كم تذكَّرتْ أمَّها المُحذرةَ لها عَنْ عادةٍ لا تليقُ بامرأةٍ تحبُّ الحياةَ.
مع هذا تبتسمُ وكأنَّ والدتَها جالِسة قبالتها وتهزُّ يدها استنكاراً.
لا شيءَ يبسط حِمايتَهُ على أدَقِّ الأشياءِ في المنزلِ، باتتْ نهبَ غيومِ اللحظاتِ الماكِرةِ.
غالِباً ما تُطعِمُ قُطَّتَها الأسماكَ الزّائدةَ، وتترُكُ جناحَي عُصفورِ الكنارِي حافلة فَرِحة وهي تلتقطُ بُذورَ اللبِّ المُقشَّرِ، بدا الطائرُ كمُسافرٍ على أجنحةِ الجمالِ.
طريقُ الابتعادِ عنِ الوحشةِ طويلة وقاحِلةٌ... والتَّخلُّصُ مِنها أو الوصولِ إليها مِنَ المُستحيلاتِ.
مناشِفُ الحمّامِ والفوَطِ، بلَّلها التَّكرارُ وأعادَها لوهميَّةِ الوَضع السّابقِ، الأمشاطُ، قنانِي الشّامبو، الصّابونُ المُعطَّرُ، كُلُّهم في حالةِ اشْمِئزازٍ دائمٍ.
كلاهما مُخطِئٌ، زُجاجاتُ العِطرِ، منفضةُ السَّجائرِ، أحياناً تُعاقِبُ أصابعَها على تلوُّثِها بالدُّخانِ، تُفتِّشُ عن كلمةٍ غيرِ (التَّدخينِ) لتحكي للمنفضةِ مُعاناتَها اليوميَّةَ، مع الوظيفةِ، ومديرِ العملِ المُستبدِّ.نصفُ الوقتِ لئيمٌ، لا تتقاضَى عليهِ مُرتَّباً كامِلاً، كُلُّ الوقتِ الأمُ مِن نِصفِهِ، الرّاتبُ لا يكفِي سدَّ ديونِها الشَّهريَّةِ.
الذِّكرياتُ، ويلُها مِن ذِكرياتٍ، خبَّأتْ بداياتِها فِي مَحفظةٍ قديمةٍ، وتركتِ الحديثةَ فِي حقيبةٍ اشترتْها قبلَ شهرٍ.
كلتاهما مُخطِئةٌ، القديمة بِخصامِها الدّائمِ معَ الجديدةِ، والجديدةُ بتحقيرِها للأقدمِ.
فِي كُلِّ الأحوالِ هما لها، بعضٌ مِنها، كُلُّها... مَن تخونُ الُأخرَى؟ هي، أمِ الذّكرياتُ!
خِزانتُها مليئة بِذكرياتٍ مرَّ عليها العُمرُ وغادرَ، إنَّما تركَ بصماتٍ علَى الكثيرِ مِن القُمصانِ والفساتينِ. لمساتُ الأصابِعِ ساعةَ لقاءٍ عاطفيٍّ، عطرُ رجُلٍ، كَذِبٌ ونِفاقٌ، مصلحة وتآمُرٌ.
مليئة خِزانتُها البَيْضاءُ، كُلُّ أثاثِ غُرفةِ نَومِها أبيضٌ... إنَّهُ تعويضٌ عن لَونَيِّ الحياةِ؛ الرُّصاصيِّ والأسودِ اللذانِ عاشرتْهما سِنيناً.
رُبَّما لا يمكنُ لامرأةٍ مُعاشرةَ لَونَيِّ التَّشاؤمِ، هي كمَن يَدفِنُ قمراً، ويرمِي أساورَ أُنثاهُ فِي حُفَرِ الحياةِ!
بعضُ الأسرارِ حزينةٌ، الذِّكرَى، والذِّكرَى كالمَشْيِّ فِي جنازةٍ، والبعضُ الآخرُ مُستهلَكٌ مِثلَ ثيابٍ قديمةٍ.
الأحلامُ تأتِي فُراداً، أو جماعاتٍ، تتسلَّلُ مِنَ النّافِذةِ، يُثيرُ الهواءُ فوضَى عبثيَّةً، فتضطَّرُ إلَى غلقِها.تنهضُ، تعبَثُ بِشَعرِها، مِثلَ طِفلةٍ تلعبُ بِتُرابٍ نَدِيِّ، تشعرُ ببرودةِ اللحظةِ ما زالَ شَعرُها مبلولاً إثرَ حمّامٍ ساخنٍ.
فِي تِلكَ الليلةِ، كانتِ الثَّوانِي رطبة هي الأُخرَى، أرباعُ الثَّوانِي مُهيَّأةٌ للرَّحيلِ كما طفولتِها وصباها، أرضيَّة الغَرفةِ بارِدةٌ، والنَّومُ العميقُ يُطفِئُ ظِلَّ السِّتارةِ.
شخصٌ ما هزَّ كَتِفَها، تجاهلتْهُ، عاودَ الكرَّةَ، تجاهلتْهُ، عادَ دافِئاً، وبِقوةٍ اخترقَ عينَيها.
الشَّمسُ لها أجنِحةٌ، تَفرِدُها فتتجسدُ يداً حارِقةً.
عُريُ الغُرفةِ تَحوَّلَ إلى تهويماتٍ عاريةٍ، ومقلوبةٍ. تأخرَّتْ عيناها فِي مَعرفةِ هويِّتِها الجديدةِ.
التَّحوُّلُ، التَّحوُّلُ اعترَى نُقوشَ أُطُرَ لوحاتٍ صغيرةٍ بورودٍ مُلوَّنةٍ.
كُلُّ شَيءٍ مُعلَّقٌ فِي الهواءِ، حتَّى سِلسلتِها الذَّهبيةِ، كُلُّ شَيءٍ، بدءاً مِن نَعلِها إلَى السَّجادةِ.
تدلَّتِ الوسائدُ والمِلاءاتُ الزَّرقاءُ، البابُ، بِلا مقبضٍ، يُشيرُ إلَى الفراغِ، وعَتَبَة الغُرفةِ صارتْ جَبهة للسَّقفِ.
الأرضُ سقفٌ آخرُ، وهي عائمة بينَ سقفينِ، وفراغَينِ.
أيُّ سقفٍ لها الآنَ؟ أيَّة أرضٍ؟ وأيَّة أُنثَى ستكونُ؟
***********************************************************************
[1]وفاء عبد الرزاق كاتبة وشاعرة وأديبة عراقية بارزة، تُعد من الأصوات الإبداعية المهمة في الأدب العربي المعاصر، وقد تنوّعت تجربتها بين الشعر والرواية والقصة القصيرة جدًا والنصوص التجريبية. تنحدر من العراق وتقيم في لندن، حيث واصلت إنتاجها الأدبي ونشاطها الثقافي، وتشغل منصب رئيسة المنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام. صدر لها -63 كتاباً في الشعر بشقيه الفصيح والشعبي، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، والقصة الشعرية، والرواية والكتب المترجمة وقد حازت على عدد كبير من جوائز وتكريمات عربية ودولية تقديرًا لإبداعها ودورها الثقافي، ورشحت عدة مرات لجائزة نوبل للآداب من قبل جهات عربية ودولية، كما شاركت في العديد من الملتقيات والمهرجانات الأدبية العالمية. تجاوز عدد الدراسات الجامعية عن أعمالها حول العالم 120 دراسة، وتتميز كتاباتها بالتكثيف والرمزية والجرأة في تناول القضايا الإنسانية، مع حضور واضح لتجربة المنفى وأسئلة الهوية، والاغتراب، وأثر الاستعمار في الشعوب المستعمرة، ووضع المرأة في مجتمع ذكوري، مما منح نصوصها بعدًا إنسانيًا عميقًا يتجاوز الحدود الجغرافية.