كان حزينًا، محطَّمًا، وهو يتمتم:
تسلّل الأسى إلى أعماقه، وبنظرة يائسة أخذ يقلب دفاتره المهترئة. كانت الهموم تساوره، والهواجس تنهشه. منذ زمنٍ لم يدخل غرفته الباردة في العلّية؛ منذ كان في الخامسة والثلاثين أحكم إغلاق بابها، وحذّر أفراد العائلة من الاقتراب منها. ومع ذلك، لم ينقطع عن سماع طرقٍ خافتٍ على بابها بين حينٍ وآخر.
وقف خالد برهةً يحوم حول الباب. كان المكان خاليًا، لكنه يشعر بظلالٍ تدور حوله.
هبّت نسمة باردة. رفع رأسه إلى السماء في حيرةٍ وارتباك، فرأى النجوم تومض، والأشجار تتمايل، والغرفة ما تزال غارقةً في الظلمة كما تركها.
وذات يومٍ قرر أن يطرق بابها. خمسُ سنواتٍ مرّت لم يفتحه، لم تتنفس نافذتها هواءً، ولم تُرتّب أثاثها، ولم يُمسح الغبار عن صورها العتيقة.
ارتجفت الكلمات في صدره، تأبى الخروج. كان يتأتئ كلما حاول الإفصاح عمّا يطبق على أنفاسه، لكنه يقف في كل مرة أمام الباب عاجزًا، مشلولًا أمام ذكرياته، فيما المرأة الجميلة تنشر رداء شبحها على المكان.
توقّف قليلًا، يصغي إلى صوتٍ خافت يهمس باسمه:
التفت يمينًا وشمالًا، فلا أحد. أدرك في قرارة نفسه أن النداء يأتي من داخل الغرفة. تراجع خطوة، واضطربت دقات قلبه، وسرت قشعريرة في جسده المحموم.
لكن الشعور تلاشى حين أدار المفتاح في القفل. انفتح الباب على عتمةٍ كثيفة، وصورتها ساكنة في الظلال. وقف طويلًا، وقد سبقه ظلّه إلى الداخل، وارتسمت ملامحها على الطاولة كما تركها يوم ودّعته، بعدما فتك بها سرطان الرحم. اضطربت أنفاسه، وتقلّص وجهه حزنًا وتوترًا. لحظاتٌ فقط، ثم سمع الصوت من جديد وهو يُغلق الباب خلفه بقوة.
عاد أدراجه، غير أنّ النداء اقترب منه هذه المرة، عانقه، وطبع قبلةً باردةً على شفتيه الظمأى.
نهض مفزوعًا من نومه على صرخات ابنته الصغرى نور في الغرفة المجاورة. هرع إليها. كانت الطفلة ترتجف وتردد في ذعر:
وقف خالد أمامها مذهولًا، كأنه رأى المرأة تخرج لتوّها من الغرفة بعدما سرقت قبلته الباردة، فيما ابنته ما تزال تنادي أمها وهي نائمة:
-أمي... أمي...
[1]الروائية الجزائرية عائشة بنور تُعدّ من الأسماء البارزة في السرد الروائي المغاربي، وقد قدّمت عددًا من الأعمال التي تتنوع بين الرواية والدراسات الفكرية والتاريخية.
من أبرز أعمالها الروائية: السوط والصدى، واعترافات امرأة، سقوط فارس الأحلام ، الأسيرة ، نساء في الجحيم ، والزنجية، وماتريوشكا – أرواح من قط، ولها أيضا كتب ودراسات نقدية، وهي تركز كثيرا على قضايا المرأة ومعاناتها النفسية والاجتماعية وتعالج مووضعات مثل العنف، والعنصرية، والنضال، والاغتراب، وتعرج بين التاريخ والذاكرة والهوية، وترجمت أعمالها إلى عدة لغات عالمية.