في ليلةٍ مظلمةٍ، كانت زينب جالسةً على الأرض في زنزانةٍ ضيّقةٍ، ترفع يديها إلى السماء وتدعو ربّها، وكأنّ كل جدارٍ من جدران السجن حولها يردّد معها نجواتها القلبية. كان صمت الليل في الزنزانة ثقيلاً عادة، لكنه في تلك اللحظة بدا هادئًا على قلبها، لتناجي ربها وتسأله أن يربط على قلبها الحزين، وأن يمدّها بصبرٍ منير في الظلام، وبطمأنينة تقنع روحها بأنّ الصبح — مهما تأخر — لا بدّ أن يأتي بعد هذا الليل الطويل.
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصبـــــــــــاح منك بأمثل
لم تكن السجون هنا للعقوبة فحسب، بل أضحت مقابر للأحياء يموت فيها الناس ببطء. وصارت عذابات المعتقلين والناجين قصصًا تُروى، بعدما كانت صرخاتٍ تدوي في جحيم السجون.
كانت زينب، امرأة في أوائل الأربعينيات من عمرها، قد أصبحت ملامحها باهتة، ووجهها ظلًّا أسود أتت عليه ليالٍ قاسية لم تنجلِ بعد. كانت ترتدي ثيابًا متربة بلون رمادي يشبه الحزن الدائم في عينيها البنيتين.
كانت أستاذة تُدرّس طلابها قصائد محمود درويش و قصص غسان كنفاني، وتزرع في قلوبهم حب البلاد و الحياة رغم الحرب الطويلة التـي كانت تحيط بهم كجدار من حديد و سماء ملونة بألسنة النار.
وفي يومٍ أسود، بينما كانت تشرح لطلابها قصيدة "بطاقة هوية"، دوّى انفجارٌ قريب من كليتها، فاهتـزّت النوافذ، وارتجف الزجاج، حتى تساقط غبارٌ خفيف من السقف على الرؤوس. توقّف صوتها لحظةً…ثم أدركت بعد ثوانٍ أنّ صاروخا قد سقط قريبا، لكنها لم تدرك بعد أن الصاروخ لم يسقط عابرًا، بل قد سقط على حيّها، وعلى بيتها...
تطايرت الجدران مع شقيقيها الصغيرين، واحتـرق المطبخ مع الأم، وصمتت غرفة الأب التي كانت تجمع ضحكاتهم، واستشهدت شقيقتها الصغرى. و في لحظة واحدة أصحبت زينب يتيمة البيت ووحيدة في هذا العالم الواسع، وحين أدركت ذلك لم تبك، لأن الحزن كان أكبر من البكاء.
و بعد أيام اعتقلت مع عدد من أهل حيها، ولم يكن في يدها سلاح و لا بندقية، كل ما حملته كان كتابا في يدها و بيتا لدرويش على لسانها:
" إلى أين سنذهب؟
ها هي الحريَّةُ الحسناءُ في شرياني المقطوع
عيناكِ وبلدانٌ على النافذة الصغرى
ويا عصفورة النار،
إلى أين سنذهب؟"
سجنت زينب ونقلت إلى زنزانة معتمة جدا. هذه المرة لم يكن حولها أحد، لا همسات مواساة، ولا أصوات سكان الحي، كانت وحيدة... عزلة كاملة عن كل شيء، ولا تسمع إلا خطوات بعيدة من الممرات و أصداء غامضة من زنزانات مجاورة، وكان صمت الجدران أوضح من أي صوت.
مضت ليال مظلمة كثيرة، وفي صباحٍ باهت، سمعت صوت باب فُتح بعنف شديد، حاولت أن ترى خلال فتحة ضيقة في الباب فتجمَّدت في مكانها. كان تيمور، إبن عمها، ورفيق طفولتها، سجن في زنزانة مجاورة، وكان صحافيا معروفا بمقالاته الجريئة ضد الاحتلال والحرب. وهو الذي كتب مرارًا وتكرارا عن الأطفال المدفونين تحت الأنقاض، وعن الهجمات التي تجعل من الإنسانية جريمة و من الحياة تهمة. فلم يغفروا له صوته ولا جرأته، فكان السجن المظلم جزاءه، والجدران الباردة مصيره.
جمعت الصدفة بينهما من جديد، لكن هذه المرّة خلف القضبان.
في البداية كان الصمت ثالثهما، ثم جاءت نظراتٌ مترددة عبر شقوق الأبواب، أو خلال فرصٍ قصيرة ولحظاتٍ عابرة يسمح فيها الحارس للمعتقلين بالمرور مرة في يوم أو يومين. بدأت الكلمات تتسلل بينهما ببطء.
قال تيمور ذات مساء:
"أتدرين ما أقسى شيء في السجن؟ ليس الجوع… بل أن يتحدث قلبك ولا يسمعه أحد."
وقال، وهو جالس على الأرض مسندًا ظهره إلى الجدار:
"سُجنتُ بجريمة واحدة: أنني كتبت عن فتاةٍ تُدعى مريم. كانت جالسةً قرب أمّها المريضة الممدَّدة على سرير الموت. وفي لحظةٍ واحدة سقط الصاروخ على بيتهما، فلم يمهلها صرخةً كاملة ولا كلمة وداع. وعندما أخرجوهما من تحت الأنقاض، وُجدت الأمّ على السرير في هيئة موجعة، ووُجدت مريم تحت جدارٍ كبير. كان وجهها مغطّى بالغبار الأبيض الكثيف، وعيناها مفتوحتين كأنهما تبحثان عن فرصة لنظرة أخيرة إلى أمها الحنونة، ولم تستوعبا هذا الموت العاجل بعد...
لم أكن أعرفها شخصيًا، ولم ألتقِ بها، ولم أسمع صوتها. لكن صورتها بقيت في رأسي. وبعد ذلك، كلما حاولت أن أكتب عن موضوعٍ آخر، كانت تقف أمامي، تذكّرني بأن بعض القصص لا يجوز تجاوزها."
ثم سكت.
قالت زينب بصوتٍ مرتجف:
"كانت من جيراني. كانت تحب القصائد والأغاني، وتكره الظلام. ماتت وهي..."
لم تكمل جملتها، واختنق صوتها بالدموع، ومرّت دقائق في صمت.
تكررت لقاءاتهما القصيرة في الممرات الضيقة، أو في الساحة الصغيرة التي تُفتح لدقائق معدودة. ولم يكونا بحاجة إلى زمن طويل؛ فالكلمات بينهما كانت تختزن سنواتٍ من الخسائر، وتعرف طريقها دون شرح.
ومرةً سألته زينب:
"تيمور! هل كتبتَ عن الأم التي ماتت وهي تُرضع طفلتها، وكانت الطفلة في يديها لحظة الإصابة؟ أم كتبتَ عن الفتاة التي ظلّت تُغطي رأسها عندما سُحقت تحت الركام؟ أم كتبتَ عن تلك الأم المسكينة التي خرجت من بيتها لتجلب دقيقًا تصنع منه الخبز لأبنائها الصغار، وحين عادت لم تجد جدارًا ولا بابًا، بل وجدت غبارًا وركامًا، كما وجدت قطعًا ملوّنة بالدم الطازج؟ فسقطت على الأرض، وتناثر الدقيق من يديها، وصرخت بصوتٍ يمزّق القلوب:
يا رب! لمن أُطعم الآن؟"
لم يكن سؤال زينب استفسارًا، بل كان شهادة.
نظر إليها تيمور وقال بصوت منكسر: "كتبت مرارا... لكن لم يسمحوا بالنشر ، لأن كلماتي شكلت خطرا لهم." نظرت إليه زينب بنظرة حزينة و قالت:"الحقيقة ولو لم تكتب... ولو تدفن...، لكنها لا تقتل، بل تبقى حية في بعض القلوب وتكشف قاتلها يوما."
وفي لقاء قالت له زينب، وعيناها معلقتان في مكان بعيد لا يُرى: "سقط بيتي فوق من أحبّ… لم يبقَ سوى يدٍ ممسكة بقطعة قماش المصلى، كأنها ما زالت تصلّي." وكلماتها مثل شظايا خرجت من قلبها، لكن لم يرتجف صوتها. تنفس تيمور طويلا وهو يحدّق في الأرض، وقال بصوت منخفض ولم يرفع رأسه كمن يخاطب ظلّه:" يومًا قد رسم إبني على صفحة بيتًا بلا سقف و بلا جدران… وقال لي: هكذا لايسقط بيتنا بسبب الإضرابات الهائلة ولا ينهار علينا. ظننتُه خيال طفل، الآن فقط أدرك."
ومع كل لقاء قصير، كانت المسافة تضيق بين زينب و تيمور؛ وهو لم يكن حُبًا بالمعنى المعتاد، بل كانت ألفة وُلدت عبر الزنزانة و الرماد، وصداقة نمت في القلوب المكسورة، و علاقة تشكلت من الألم المشترك بسبب بيوت منهارة و من وجوه فقيدة ومن بلادهما الجريحة. كان حباً نسجته الآلام دون العواطف، وقوّاه الحزن دون السرور،حـتى بات كلٌّ منهما يرى في الآخر مرآةً لما فقده...
وذات مساء التقيا، كعادتهما، عند الجدار. لم تكن عيناها مشرقتين، وكان في وجهها شحوبٌ لم يستطع تيمور أن يتجاهله. قالت له بهدوءٍ حزين:
"إذا خرجتَ يومًا… لا تكتب عن أمواتنا فحسب، بل اكتب عن خوفهم من أصواتنا."
ابتسم ابتسامةً غير واضحة وقال:
"هم يخافون لأنهم يعرفون أن الكلمات تبقى… حتى لو أُغلقت الأفواه وسُجن أصحابها."
نظرت إليه وهزّت رأسها ببطء قائلة:
"لكنهم يملكون السلطة."
فأجابها:
"القوة لا تدوم، أما الكلمات فعمرها طويل؛ ولذلك تخيف أهل السلطة أكثر."
ولم يكد ينهِ حديثه حتى جاء صوتٌ حاد من خلفهما:
"تتآمران هنا؟"
وفي لحظةٍ سريعة تبدّل المشهد. دُفع تيمور بعنفٍ نحو الجدار. صرخت زينب باسمه، لكنها دُفعت إلى الأرض، فسقطت وشعرت بأن كتفها قد انخلع، أو كاد ينخلع. حاولت النهوض، لكنها لم تستطع.
رفعت رأسها بصعوبة، والدم يسيل على جبينها. قال الحارس بسخرية:
"كلمات؟ ماذا وكيف ستكتبون داخل السجن؟"
ردّ عليه تيمور بصوتٍ ثابت، والدم يسيل من شفتيه:
"الكلمات لا تحتاج إلى شيء… ما عدا الجرأة."
وكانت تلك الجملة كافية لتشتعل الضربات من جديد. صرخت زينب، لا خوفًا على نفسها، بل على تيمور. كان كلٌّ منهما يتألم للآخر أكثر مما يتألم لنفسه.
ثم سُحب كلٌّ منهما إلى زنزانته، وأُغلقت الأبواب بقسوة، وعاد السجن إلى صمته المعتاد.
مرّت أيام أخرى، واشتد وقع السجن عليهما أكثر. وبعد ذلك اليوم التقيا ثلاث أو أربع مرات لقاءات عابرة، ثم جاء اليوم الذي لم تأتِ فيه زينب. انتظر لها طويلًا، ووقف قرب الجدار الذي اعتادا الوقوف عنده، وراح يراقب الباب كلما فُتح، ويسأل المارّين عنها مرارًا وتكرارًا، لكنه لم يجد جوابًا، بل كانت الوجوه تتهرّب من سؤاله المتكرر. ظلّ ينتظر ويسأل، إلى أن اقترب منه أحد الحراس وهمس في أذنه:
"تعرّضت لضربات شديدة في الليلة الماضية ولم تتحمّل… فارقت الحياة بعد أن نزفت طويلًا… ولم يصل إليها طبيب."
توقف الزمن عند هذه الكلمات، ولم يسمع ما بعدها. شعر كأن الأرض تحت قدميه قد زُلزلت زلزالَها. رجع إلى زنزانته بأقدامٍ ميتة، وجلس في ناحية منها. لم يكن لديه سوى ورقة واحدة وقلمٍ مكسور، فكتب عليها:
"كانت تُعلّم الشعر وتشرح القصص للطلاب، ولم تحمل سلاحًا، بل كانت تزرع الحياة وتغرس الأمل. فكيف استطاع الصمت والموت أن يخطفاها؟ ولئن لم تكن بطلةً في سجلات السلطة، فقد كانت بطلةً لكل من يعرف قيمة الصوت. وصوتها لن يبقى محصورًا داخل السجن، بل سيخرج عبر الأسوار، وسيصل إلى مدن بعيدة. وحين يصل، سيخرج الناس… في البداية بالعشرات، ثم بالمئات، ثم بالآلاف، ويكتبون اسمها على الجدران، ويرفعون أصواتهم بهتافها."
مرّت أيام، وتغيّرت الأوضاع خارج القضبان بعد أن كُشفت الستائر عن الحقائق المظلمة في داخل السجون. حاولت السلطة إخماد الهمسات عنها وعن الآخرين، كما حاولت تبرير ما حدث أمام الإعلام الدولي، ثم إنكاره من دون شاهد. لكن الصوت كان أقوى، وارتفعت هتافات الحرية في أقصى الأماكن، وتحولت الأصداء المسجونة إلى صرخةٍ لا تُقهر.
أما تيمور، فصار السجن له انفراديًا، بلا أوراق ولا زيارات. صارت أيامه أطول، والظلام أكثر كثافة. لم يكن يدري أن الفقد يمكن أن يكون أثقل عليه من الحديد. لم يعد بعد رحيلها كما كان من قبل. لم ينم منذ ذلك اليوم، بل بدأ يكلّم الظلّ، ثم نفسه، ثم روحًا تتردّد بين الجدران:
"كنتِ تقولين: الأرواح لا تموت… بل تتحوّل إلى حكايات… فأنتِ معي."
بدأ يتمتم، أولًا بصوتٍ داخلي، ثم بصوتٍ مسموع، كأنه يكلّمها، أو يكلّم نفسه… أو كليهما معًا:
"زينب… أتدرين؟ لم أعد أستطيع النوم. منذ رحيلك صار الصمت أعلى من صوت الرصاص. أسمعك… أسمع كلماتك تتردّد بين هذه الجدران يوم قلتِ لي:
"أنا من هذه البلاد الكريمة… لا أموت، بل أتحوّل إلى حكاية."
"وفي إحدى الليالي، عبر المذياع القديم، وصل إليه خبرٌ بدا كصدى الخطوة الأولى نحو الحرية:
"دولةٌ مجاورة أعلنت أنها لن تقف صامتة. ومع طلوع الفجر انطلقت الصواريخ في دول مختلفة نحو قواعد السلطة التي طالما قتلت الآخرين."
وقريبًا من بابه سمع صوت حارس يقول لآخر بصوتٍ منخفض:
"الضربات متواصلة… والقواعد العسكرية لبلادنا مستهدفة… ويبدو أن سلطتنا تكاد تفقد السيطرة الآن."
لم يرَ تيمور صاروخًا، ولم يسمع دويّه، لكنه أدرك أن العالم خارج هذه الجدران لم يعد كما كان. ابتسم للمرة الأولى منذ زمن، وهمس كأنه يخاطب زينب من جديد:
"لم ترحلي يا زينب… بل صرتِ صرخة تمشي إلى أقاصي البلاد… العالم غريب يا زينب… ما كانوا يفعلونه بأهل بلادنا عاد إليهم الآن. هذه السلطة التي قتلت وملأت السجون بآلاف الأبرياء من أرضنا المقدسة صارت فجأة ضعيفة، محاصرة بالخوف.
وزينب! لم تعودي مجرد ضحية في زنزانة، بل صرتِ شرارة… وقد تتحول هذه الشرارة إلى نارٍ هائلة ستغيّر وجه العالم قريبًا. وربما سيطرق التاريخ أبوابه من جديد… أو يبدأ مرة أخرى."
*********************************************************************