استيقظ وليد فزِعًا على صوتٍ رهيب، وظنُّ أن مصدرَه قريب من مخيّمهم. كان مع أسرته في تلك الخيمة الممزّقة منذ أكثر من شهرين، بعد تهجير قسري نفّذته لجنة السلام العالمية. كانت هذه البقعةُ من العالم يومًا مزدهِرةً، منبَعًا للنور والحيوية ومصدَرًا للوئام والسلام. يا له من انقلابٍ عجيبٍ للأمور! بفضل ما كسبت أيدي الناس ظهر الفساد في البرِّ والبحر. انتشَر فسادُ الاحتلال الديني في هذه الأرض منذ أكثر من سبعين عامًا، واستمرّ تيّاره وتجددَ بألوانٍ شتى، وسُمّيت هذه الألوانُ بأسماءٍ مختلفة، بل عظّمَتها بعضُ الدولِ قائلةً: «ما أحسنَ التطوّرَ، وما أروعَ التخطيطَ العمراني الوطني الشامل!» لكن من أجل مَن كانت هذه التطوّرات؟ للمواطنين أم للمحتلين؟ ظهرت المقاومةُ الشعبيةُ نتيجةً للاحتلال كما يحدث في كثير من مناطق العالم، ولكنّ النظامَ يَسارعُ إلى إلصاقِ وصفِ «الإرهاب» بكل مقاومةٍ قبل أيّ شيءٍ آخر.
وليدُ فتى في السابعة عشرة من عمره؛ شعرُه مجعّدٌ، وعيناه زرقاوان تلمعان كأنها نار في الدجى أو نجم في الفضاء. جسده النحيل تخطّه عضلاتٌ بارزة صقلتها المعاناةُ لا التمريناتُ البدنية كما في الدول المتقدّمة، إنما صَقَلَتْها ظروفٌ جحيمية وبيئةٌ رَعَتْه بعنف. يخوض كلَّ يومٍ حربَ الطعام — نعم، حربَ الطعام — لا تقلُّ حِدّتها وشراستها عن الطوابير المميتة، حيث يقف الناسُ والقناصونُ جاهزونَ بأسلحتهم المتقدمة — مستورَدةٌ من دولةٍ متقدمة — واضعينَ أصابعهم على الزناد، لا يتريّثون في إطلاق النار ولا يبالون.
ينبض قلبُ وليد بسرعةٍ وجبينُه يتعرّق من فرطِ الضغط وهو أمام جندي من جنود الاحتلال؛ ليس خوفًا بقدرِ ما هو ضعفٌ تَسَلّل إليه من الجوع. يشبه وليدُ أباه كثيرًا في الهيئةِ والقوامِ: طويلُ القامةٍ، وجبينُه ممتدٌّ، ذلك الأبُ الذي غاب عن البيت قبل أعوامٍ مجيبًا نداء الوطن، تاركًا أولاده، ولم يلغِ نداءَ الوطنِ عن قلبه؛ فلبّى النداء وظلّ في سبيل البناء حتى لم يعد. عندما رأى وليد بأمِّ عينيه أن الحربَ لا تضعُ أوزارها وأن أسرته تشتّتت، يئس قليلًا، ثمَّ لمَّ الله شعثَه بعودةٍ مفاجئةٍ لوالده.
أعاد الوالدُ ترتيبَ الخيمةِ التي كانت ملجأهم الوحيد وسط نارٍ ودماءٍ وأشلاء الشهداءِ. بعد أن استيقظ وليد من دَهْشته لم يكن يدري ما يجري في ذلك الوقت المتأخر من الليل. وكان غارقًا في أفكاره حتى شعر فجأةً وكأنَّ جسده يُنتزع من الأرض ويُقذف به في الهواء. هل كان مستيقظًا أم لا؟ لم يَكُد يُصَدِّق نفسَه، حتى أدرك الحقيقة المؤلمة بعد أن انفجرت عبوةٌ ناسفة بقذيفةٍ من الطائرة الملعونة. رأى أباه ملقىً، جسده الطويل ملطّخٌ بالوحل الأحمر، على آخر رمقٍ.
هرول وليد إليه دون أن يحسّ بخطواته، وتمسّك بيديه قائلاً: «أبي، هل أنت بخير؟» وهو يدركُ تمامًا أنّ الجوابَ لا، لكن أمورَ الناسِ بيدِ المولى. توسّل إليه ألا يرحل مجدّدًا، أن يبقى بصحبته ويعلمَه كيف يكون رجلاً كما هو. وبعد حينٍ لحق الأبُ بالرفيق الأعلى، وبقي الفتى يتلو أثره بالحزن. ثمّ بحث عن الآخرين من الأسرة بعد الانفجارِ الفتّاك الذي دمّرَ حياته مرّةً أخرى. ويا للمفارقةِ القاسية! وجدهم — نعم وجدهم — لكن بلا حياة: أجسادٌ مبعثرةٌ على الأرض، شبهُ عاريةٍ، وعلى شفاهم، غريبٌ أنْ تبدو بسمةُ الرضا كأشعةِ شمسٍ رغم الغبارِ الخانق. ما كان بيد وليد حيلةٌ؛ فما الذي عساه يفعل؟ كان يرى هذا المشهد يتكرّر يوميًّا، ويزدادُ الوحشةُ حِدّةً في هذه الأيام دون تغييرٍ يُذكر. اليوم فقد أباه؛ بالأمس فقد زيدًا — ابن عمه — أباه؛ وأولُ أمسٍ استشهد أبو خيزران — عمه الثالث. هذا المشهدُ جزءٌ من مأساةِ شعبٍ منكوبٍ.
في الطفولة كان وليد يحلم بأن يصبح طيّارًا؛ الآن يحلم أن يكون ريشةً في مهبِّ الريح، تطيرُ دون أن تشعرَ بالألم والخيبة والضياع. لكن هل من مفرّ؟ وهل من مَناص؟ لا بدّ أن ينهض من جديد، ويكسر القيود، ويؤدّي دوره من أجل الوطن. نعم، ذلك الوطن ضحّى لأجله آباؤه وأجداده بأنفسهم، ولم تُغرهم ملذّاتُ الحياة عن نَفْسِ الرجال. رغم الانكسار والفقد والحرمان من أساسياتِ الحياة، يفكّر وليد كفيلسوفٍ عصريٍّ ويتساءل: هل هناك طريقٌ إلى الحريةِ والاستقلال؟
أجابه صوتٌ لا يعرف مصدرَه، لكنّه مألوف — صوتٌ رخيم، ناعمٌ، جوهريّ، مليءٌ بثقةٍ لا تتزعزع أمام الاحتلال؛ لا يعرفُ معنىَ الهزيمةِ والخسارة، ويُؤمنُ كلَّ الإيمانِ بالله العزيزِ القهار، قائلاً:
"يا أبناءَ شعبِنا العظيمِ
سلامٌ عليكم،
سلامٌ عليكم بما صبرتم ورابطتم وثبتم في وجهِ الطغيانِ،
سلامٌ على أرواح شهدائنا وأطفالنا الأبرياءِ وأهلنا المظلومين،
سلامٌ على أرواحِكم التي ستحلّقُ يومًا في سماءِ القدس وأقصانا المطهّر من دنسِ قاتليكم،
سلامٌ على دمائكم التي ستلعنُ كل قاتلٍ ومجرمٍ، وكلّ متخاذلٍ وجبانٍ ومدعٍ للإنسانيةِ،
سلامٌ عليك يا شعبنا العظيم وأنتَ تفضحُ العالمَ المنافقَ بقوانينه العرجاء ومنظماته العوراء ومعاييره المزدوجة.
"وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ"
وإنّه لجهادٌ نصرٌ أو استشهادٌ.
والسلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته»
تنفّس وليد كأن صدرَه قد أُثلِج بردًا، واطمأنّ قلبُهُ طمأنينةً عميقةً بأن النصر سيكون حليفه يومًا ما إن شاء الله؛ فعليه أنْ يصبر ويثابرَ ويجاهدَ من أجل الحريةِ والاستقلالِ والوطن.
من أرضِ العِزّة…
وليد بن مغيرة
************************************
[1] باحث في مركز الدراسات العربية والأفريقية، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند