------------------------------------------------------------------------
بعد عامين أو ثلاثة من تقسيم الهند، خطرت لحكومتَي باكستان والهند فكرةُ تبادلِ المجانين، كما جرى من قبل تبادلُ الأسرى بينهما؛ بحيث يُنقَل المسلمون من نزلاء المصحّات العقلية (المجانون) في الهند إلى باكستان، ويُسلَّم الهندوس والسيخ من نزلاء المصحّات في باكستان إلى الهند.
لا أعلم إن كان ذلك صحيحا أم لا، غير أنّه — كما يروي العارفون — دارت نقاشات هنا وهناك في المؤتمرات على أرفع المستويات، وانتهى الأمر، في أحد الأيام، إلى اتخاذ قرار بنقل نزلاء المصحات العقلية. أُجري تحقيقٌ شامل، فسُمح للمسلمين من نزلاء المصحّات، ممّن كان لهم أولياء في الهند، بالبقاء، فيما تقرّر إرسال الباقين إلى الحدود. وبما أنّ معظم الهندوس والسيخ كانوا قد غادروا باكستان، لم تعد هناك حاجة للإبقاء على أحدٍ منهم؛ فنُقل جميع المرضى من الهندوس والسيخ إلى الحدود تحت حراسة الشرطة.
لا أعلم ما الذي جرى هناك (في الجانب الهندي)، لكن ما إن بلغ خبر هذا النقل إلى مصحّة لاهور للأمراض العقلية، حتى بدأت فيها أحاديث غريبة ولطيفة. لما سُئِل أحدهم — وكان مسلمًا مختلّ العقل اعتاد قراءة جريدة "زميندار" يوميًا منذ اثنتي عشرة سنة- من قبل صديقٍ له:
"يا مولانا، ما هذه باكستان؟"
فأجابه بعد تفكير طويل:
"هي مكانٌ في الهند تُصنَع فيه شفرات الحلاقة."
فاطمأن السائل إلى هذا الجواب وسكت.
وبالمثل، سأل أحدُ المجانين السيخيين مجنونا سيخيا آخر:
"يا سردارجي، لِمَ يُرسِلوننا إلى الهند؟ نحن لا نعرف حتى لغتها"!
فابتسم الآخر وقال بثقةٍ غريبة:
"أنا أفهم الهندية… الهنود قومٌ مشاغبون، يمشون مزهوّين بأنفسهم!"
وفي أثناء الاستحمام، بدأ أحدُ المجانينالمسلمين يصرخ بأعلى صوته: "باكستان زندہ باد!" (تحيا باكستان) حتى انزلقت قدماه، وسقط أرضًا مغشيًا عليه.
ولم يكن جميع نزلاء المصحّة مجانين حقًّا؛ فقد كان فيهم من ارتكب جرائم قتل، غير أنّ ذويهم دفعوا الرشاوى للضبّاط ليُودَعوا في المصحّات العقلية، فرارًا من حبل المشنقة.
هؤلاء كانوا يدركون، على نحوٍ ما، أسبابَ تقسيم الهند، ويعرفون شيئًا عن باكستان، غير أنهم كانوا في جهلٍ تامّ بتفاصيل ما يجري. فالصحف لم تكن تفصح بشيءٍ واضح، والحُرّاس كانوا أميّين لا يفقهون ما يدور، فلم يكن في وسع أحدٍ أن يستخلص حقيقةً من الأحاديث المتداولة.
كل ما كانوا يعرفونه أن رجلًا يُدعى محمد علي جناح، يُلقَّب بالقائد الأعظم، قد أنشأ دولةً للمسلمين باسم باكستان. أمّا أين تقع هذه الدولة، وما حقيقتها، فذلك ما ظلّ غامضًا لديهم. ولهذا، وقع جميع نزلاء المصحّة — حتى أولئك الذين لم يكونوا فاقدي العقل تمامًا — في حيرةٍ عجيبة: أَهُم في باكستان أم في الهند؟ وإن كانوا في الهند، فأين تكون باكستان؟ وإن كانوا في باكستان، فكيف كانوا من قبل في الهند وهم مقيمون هنا منذ زمن؟
وقد استغرق أحدُهم في هذا اللغز — لغز "الهند وباكستان، وباكستان والهند" — حتى ازداد اضطرابًا على اضطرابه. وذات يوم، بينما كان يكنس الأرض، صعد إلى شجرة، وجلس على أحد أغصانها، وأخذ يخطب لساعتين متواصلتين في القضية الحسّاسة: قضية الهند وباكستان.
وحين أمره الجنود بأن ينزل، ازداد صعودًا إلى أعلى، فلمّا هدّدوه، صاح معلنًا:
"لا أريد أن أعيش لا في الهند ولا في باكستان… سأبقى هنا، على هذه الشجرة!"
ولما خفّت حدّة نوبته بعد مدة طويلة نزل من الشجرة، وأخذ يعانق أصدقاءه من الهندوس والسيخ ويبكي؛ فقد كان قلبه حزينا على فكرة أن أصدقائه سيرحلون عنه إلى الهند.
وكان في المصحّة مهندسُ راديو مسلم، حاصل على درجة الماجستير في العلوم، اعتاد أن يمشي صامتًا طوال النهار في طريقٍ محدّد داخل الحديقة، منعزلًا تمامًا عن سائر النزلاء. غير أنّه تعرّض لتحوّلٍ غريب؛ إذ خلع جميع ملابسه، وسلّمها للحارس، ثم أخذ يجوب الحديقة عاريًا بلا اكتراث.
وكان في المصحّة أيضًا رجلٌ مسلم بدين، مختلّ العقل، عُرف بنشاطه السابق في العصبة الإسلامية، وكان يفرط في الاغتسال حتى بلغ به الأمر خمس عشرة أو ستّ عشرة مرّة في اليوم. غير أنّه انقلب فجأة إلى سلوكٍ مغاير، فاتّخذ لنفسه عادةً جديدة. كان اسمه "محمد علي"، وفي أحد الأيام، وفي ذروة اضطرابه، أعلن أنّه القائد الأعظم محمد علي جناح. ولم يلبث أن تبعه سيخيٌّ مختلّ العقل، يُعرف بـ"المعلّم تارا سينغ"، فادّعى بدوره شخصيةً مماثلة. وكاد هذا التوهّم المتقابل أن يفضي إلى صدامٍ دموي داخل المصحّة، لولا أنّهما عُدّا من الحالات الخطِرة، فأُودِعا الحبس، كلٌّ على حدة.
وكان في لاهور محامٍ هندوسيّ شاب، فقد صوابه بعد أن وقع في حبٍّ جنوني. ولمّا سمع أنّ أمريتسار قد أصبحت جزءًا من الهند، غمره حزنٌ عميق؛ إذ كان قد أحبّ فتاةً هندوسية من تلك المدينة. وعلى الرغم من أنّها صدّته، فإنّه لم يستطع أن ينساها، حتى في جنونه. فصار يلعن جميع الزعماء المسلمين الذين — في نظره — تآمروا على تقسيم الهند إلى شطرين؛ إذ غدت حبيبته هندية، بينما أصبح هو باكستانيًا!.
وحين طُرح موضوع نقل النزلاء، حاول رفاقه في المصحّة أن يطمئنوه، قائلين إنّه سيُرسَل إلى الهند، حيث تقيم محبوبته. غير أنّه لم يكن يرغب في مغادرة لاهور، خشية أن تكسد ممارسته للمحاماة إن انتقل إلى أمريتسار.
وفي الجناح الأوروبي من المصحّة، كان يقيم مريضان من أصلٍ أنجلو-هندي. وما إن بلغهما خبر انسحاب البريطانيين من الهند ونيلها الاستقلال، حتى خيّم عليهما حزنٌ عميق. وكانا يمضيان ساعاتٍ طويلة في همسٍ متواصل، يتساءلان عن مصيرهما: أسيبقيان في الجناح الأوروبي أم يُنقلان منه؟ وهل سيظلّ الإفطار الأوروبي يُقدَّم لهما كما اعتادا؟ أم سيُجبران على تناول خبز «الشاباتي» الهندي بدلًا من طعامهما المألوف؟
وكان هناك أيضًا سيخيّ قضى خمسة عشر عامًا في المصحّة، لا تفارق شفتيه عبارةٌ غامضة يردّدها بلا انقطاع:
"أوباد دي غادغاد دي أنيكس دي بيدهيانا دي مونغ دي آل آف دي لالتين".
لم يكن ينام ليلًا ولا نهارًا. وكان الحرّاس يؤكّدون أنّه، طوال تلك السنوات الخمس عشرة، لم يغمض له جفن، ولم يضطجع قط، وإن كان يتّكئ أحيانًا إلى الجدار. وقد تورّمت قدماه وساقاه من طول الوقوف، غير أنّه، على الرغم من هذا الألم، لم يستلقِ ليستريح.
وكلّما احتدم الجدل بين نزلاء المصحة حول الهند وباكستان ومسألة نقلهم، كان يُنصت باهتمامٍ بالغ. فإذا ما سُئل عن رأيه، أجاب بجدّيةٍ تامّة:
"أوباد دي غادغاد دي أنيكس دي بيدهيانا دي مونغ دي دال أوف دي باكستان غورنمنت".
غير أنّه، بعد حين، استبدل عبارته "أوف دي باكستان غورنمنت" بعبارة "توبا تيك سينغ"، وأخذ يسأل سائر النزلاء عن موضع هذا المكان: أين يقع؟ ومن أيّ جهةٍ أتى؟ لكن أحدًا لم يكن يملك جوابًا: أهو في باكستان أم في الهند؟. بل إنّ الذين حاولوا التفسير ازدادوا حيرة، فقال بعضهم: "كانت سيالكوت في الهند، غير أنّنا نسمع الآن أنّها في باكستان"! ومن يدري؟ لعلّ لاهور — وهي اليوم في باكستان — تصبح غدًا جزءًا من الهند، أو لعلّ الهند كلّها تصير باكستان! ومن يستطيع أن يجزم بأنّ هذين الكيانين لن يزولا يومًا ما؟
وكان في المصحّة سيخيّ آخر، قد قلّ شعر رأسه وأهمل هيئته، إذ نادرًا ما كان يستحمّ، فاشتَبك شعره بلحيته حتى بدا في مظهرٍ أشعث يبعث على الهيبة. ومع ذلك، لم يُؤذِ أحدًا قط، ولم يُعرَف عنه أنّه دخل في شجارٍ طوال خمسة عشر عامًا قضاها هناك. ولم يكن الضباط القدامى يعلمون عنه سوى أنّه كان يملك أراضي واسعة في «توبا تيك سينغ»، وأنّه أُصيب بالجنون على نحوٍ مفاجئ، فجاء به أقاربه مقيّدًا بسلاسل حديدية غليظة، وأودعوه المصحّة.
وكان أقاربه يزورونه مرّةً كلّ شهر، يسألون عن حاله ثم ينصرفون. واستمرّ ذلك على هذا النحو زمنًا، إلى أن اندلع النزاع بين الهند وباكستان، فانقطعت زياراتهم.
كان اسمه "بيشان سينغ"، غير أنّ الجميع كانوا ينادونه بـ "توبا تيك سينغ". ولم يكن لديه أدنى إدراكٍ للزمن: لا يعرف يومًا ولا شهرًا ولا عدد السنين التي مرّت. ومع ذلك، كان يشعر — على نحوٍ غامض — بموعد الزيارة الشهرية لأقاربه، فيُخبر أحد الحراس بقدومهم. وفي ذلك اليوم، كان يغتسل بعنايةٍ بالغة، ويفرط في استعمال الصابون، ثم يدهن شعره بالزيت ويمشّطه، ويُخرج ثيابه التي لا يرتديها عادة، فيلبسها، ويقف منتظرًا زوّاره في هيئةٍ أقرب إلى الوقار.فإذا خاطبوه أو سألوه، لزم الصمت، أو تمتم أحيانًا بعبارته الغامضة:
"أوبار دي غاد-غاد دي أنيكس دي بيدهيانا دي مونغ دي دال أوف دي لانترن".
وكانت له ابنة، كانت تكبر شهرًا بعد شهر، حتى غدت شابّةً في الخامسة عشرة من عمرها. غير أنّ "بيشان سينغ" لم يعرفها قط. كانت، وهي طفلة، تبكي كلّما رأته، ولم تكفّ دموعها عن الانهمار حتى بعد أن بلغت سنّ الرشد.
ومع اندلاع حديث "الهند وباكستان"، أخذ يسأل سائر النزلاء عن موضع "توبا تيك سينغ". وحين لم يجد جوابًا شافيًا، ازداد اضطرابه واشتدّ فضوله. وكان فيما مضى يشعر، على نحوٍ غامض، بموعد زيارة أهله، أمّا الآن فقد خمد ذلك الإحساس، كأنّ صوتًا بداخله كان ينبّهه وقد انطفأ فجأة.
ظلّ يتوق إلى زوّاره الذين كانوا يفيضون عليه عطفًا، ويجلبون له الفاكهة والحلوى والملابس. وكان يعتقد أنّه لو سألهم عن موضع "توبا تيك سينغ"، لأجابوه جوابًا قاطعًا: أهي في الهند أم في باكستان؟ إذ كان على يقينٍ أنّهم يأتون من هناك، من أرضه التي كان يملكها في "توبا تيك سينغ".
وكان في المصحّة رجلٌ مختلّ العقل يزعم أنّه "الله". فسأله "بيشان سينغ" يومًا:
"هل توبا تيك سينغ في باكستان أم في الهند؟".
فانفجر ضاحكًا، كما هي عادته، ثم قال:
"ليست في باكستان ولا في الهند… لأنني لم أصدر الأمر بعدُ في هذا الشأن!"
فأخذ "بيشان سينغ" يتوسّل إليه مرارًا أن يُصدر أمرًا ينهي هذه الحيرة، غير أنّ "الله" كان — في زعمه — مشغولًا بإصدار أوامر لا حصر لها. وذات يوم، ضاق به ذرعًا، فصاح فيه غاضبًا:
"اوبر دي غاد غاد دي أنيسك دي بيدهيانا دي مونغ دي دال آوف واهي جورو جي دا خالسا، إيند واهي جورو جي دي فتح! جو بوليه سو نيهال… سات سري أكال!"
ولعلّه كان يريد أن يقول: إنكَ إله المسلمين، فلن تُصغي إليّ، أمّا لو كنتَ إله السيخ، لكنتَ قد استجبت لي.
وقبل أيّامٍ قليلة من عملية النقل، جاء رجلٌ مسلم من "توبا تيك سينغ"، لزيارته وكان صديقا له. ولم يكن قد زاره من قبل. فلمّا رآه "بيشان سينغ"، تنحّى جانبًا وهمّ بالانصراف، لكنّ الحرّاس أوقفوه قائلين:"لقد جاء للقائك… إنّه صديقك فضل الدين".
نظر إليه "بيشان سينغ" نظرةً سريعة، وأخذ يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة. فتقدّم "فضل الدين"
ووضع يده على كتفه قائلًا:
"كنت أفكّر في زيارتك منذ زمنٍ طويل، لكن لم تتح لي الفرصة. لقد رحل أهلك جميعًا إلى الهند راضين سالمين، وقد حاولتُ مساعدتهم قدر استطاعتي. أمّا ابنتك، روب كور…"
توقّف "فضل الدين" في منتصف حديثه، وكأنّ الكلمات خذلته. عندئذٍ بدا على “بيشان سينغ” أنّه يستحضر شيئًا من ذاكرته، فتمتم:
"ابنتي… روب كور"
سكت "فضل الدين" لحظة، ثم قال بتردّد:
"نعم… هي أيضًا بخير… لقد ذهبت معهم."
ظل“بيشان سينغ”صامتا، بينما استأنف "فضل الدين" حديثه قائلًا:
"لقد أوصوني أن أطمئن عليك دائمًا، وقد علمتُ الآن أنّك ستُنقل إلى الهند. أبلِغ سلامي إلى أخي بالفير سينغ ووادوا سينغ… وإلى أختي أمريت كور، وقل لأخي بالفير سينغ إنّ فضل الدين بخير. أمّا الجاموستان البنيّتان اللتان تركهما، فقد ولدت إحداهما ذكرًا، وأمّا الأخرى فقد ولدت أنثى، لكنها ماتت بعد ستة أيام. وإن كانت لك حاجة، فأخبرني بها، فأنا على استعدادٍ دائمٍ لخدمتك"
ثم أضاف:
"نعم… وقد جلبتُ لك بعض الحلوى."
فأخذ “بيشان سينغ”علبة الحلوى، وسلّمها إلى الشرطي القريب منه، ثم سأل فجأة:
"أين توبا تيك سينغ؟"
تردّد "فضل الدين" قليلًا، وقال في دهشة:
"توبا تيك سينغ؟ إنها في مكانها… حيث كانت دائمًا."
فسأله “بيشان سينغ” بإلحاح:
"في باكستان أم في الهند؟"
ارتبك "فضل الدين"، وقال متلعثمًا:
"في الهند… لا، لا… في باكستان."
فابتعد “بيشان سينغ” عنه، وهو يتمتم بعبارته الغامضة:
"أوبار دي غاد غاد دي أنيكس دي بودهيانا دي مونغ دي دال أوف دي باكستان إيند هندوستان… اوف دي دورفِتّه مونه"!
واكتملت الاستعدادات لعملية تبادل المجانين. وصلت القوائم بأسماء المجانين الذين سيُنقلون من مكانٍ إلى آخر، وحدّد موعد التنفيذ. وكان الشتاء قارسًا في تلك الأيام. فانطلقت الشاحنات، محمّلةً بالمجانين الهندوس والسيخ، من مصحّة لاهور للأمراض العقلية، تحت حراسة الشرطة، وبمرافقة الضبّاط المختصّين.
وعند معبر "واجاه" الحدودي، التقى المشرفون من الجانبين، وبعد استكمال الإجراءات الأوّلية، بدأت عملية التبادل، واستمرّت طوال الليل.
كان إنزالُ المرضى من الشاحنات وتسليمُهم إلى الضبّاط في الجانب الآخر مهمّةً شاقّةً للغاية. فبعضهم أبى النزولَ تمامًا، ومن نزل منهم استعصى ضبطُه، إذ كان يثور ويقاوم. أمّا العُراة، فكانوا يمزّقون ما يُلبَسون من ثياب. كان بعضهم يسبّ ويلعن، وآخرون يغنّون، وغيرهم يتشاجرون أو يبكون أو يهذون بكلامٍ غير مفهوم. وكانت الأصواتُ المتداخلة لا تُميَّز، فيما كان صخبُ النساء المجنونات ذا نبرةٍ مختلفة، يزيده البردُ القارسُ حدّةً، حتى كانت الأسنان تصطكّ من شدّته.
لم يكن معظمُ هؤلاء راضين عن هذا النقل؛ إذ لم يدركوا سرّه، ولا سبب اقتلاعهم من أماكنهم وإلقائهم في موضعٍ آخر. أمّا القلّة التي كانت تملك قدرًا من الفهم، فقد أخذت تهتف بشعار: "تحيا باكستان!" وكادت هذه الهتافات تُفضي غير مرّة إلى اشتباكات، لما أثارته من غضب بعض الهندوس والسيخ.
وحين جاء دور "بيشان سينغ"، وشرع المسؤولون في ترتيب أوراق نقله، سأل فجأة:
"أين توبا تيك سينغ؟ أفي باكستان أم في الهند؟"
فضحك أحد الضبّاط وقال:
"في باكستان."
وما إن سمع ذلك، حتى قفز "بيشان سينغ" جانبًا، واندفع راكضًا نحو رفاقه. فأمسك به الجنود الباكستانيون، وحاولوا اقتياده إلى الجانب الآخر، غير أنّه رفض بشدّة، وأخذ يصرخ بأعلى صوته:
"أين توبا تيك سينغ؟"
ثم أخذ يهذي بعبارته المعهودة:
"أوبار دي غاد غاد دي أنيكس دي بيدهيانا دي مونغ دي دال… توبا تيك سينغ… باكستان إيند هندوستان!"
حاولوا إقناعه مرارًا:
"انظر، لقد أُرسلت توبا تيك سينغ إلى الهند… وإن لم تكن قد أرسلت بعدُ، فسوف تُرسل قريبًا إلى الهند."
لكنّه لم يُذعن. ولمّا حاولوا إرغامه على العبور، بقي في منتصف الطريق ثابتًا على ساقيه المتورّمتين، كأنّ قوّةً في الأرض قد شدّته إليها، فلا سبيل إلى زحزحته. ولأنّه لم يكن مؤذيًا، تُرك — أمام عناده الصامت — واقفًا في مكانه، بينما استمرّت بقيّة إجراءات النقل والتبادل.
وقبيل شروق الشمس بقليل، دوّى صراخٌ حادّ انبعث من حنجرة "بيشان سينغ". فهرع الضبّاط من كلّ صوب، فإذا بالرجل — الذي ظلّ واقفًا خمسة عشر عامًا، لا ينام ولا يضطجع — قد هوى على وجهه على الأرض.
هناك، خلف الأسلاك الشائكة، كانت تمتدّ الهند…
وهنا، وراء أسلاكٍ مماثلة، كانت تقوم باكستان…
وبينهما، على رقعةٍ من الأرض بدون الاسم كان يرقد "توبا تيك سينغ".
**************************************************************************
[1]تُعدّ قصة «توبا تيك سينغ» من أشهر أعمال الأديب الأردي الكبير سعادت حسن منتو، (1912-1955) الذي يُعدّ من أبرز روّاد القصة القصيرة في الأدب الأردي في القرن العشرين. وُلد منتو في ولاية بنجاب وعاش تجربة التقسيم الهندي الباكستاني (1947) بكل ما حملته من مآسٍ إنسانية عميقة، وقد انعكست هذه التجربة بوضوح في معظم أعماله، حيث تميّزت كتاباته بالجرأة والواقعية الصادمة، وسبر أغوار النفس البشرية في لحظات الانهيار والتوتر. لم يكن منتو كاتبًا تقليديًا، بل كان شاهدًا على عصره، ينقل الحقيقة كما هي دون تزييف، حتى لو أثار ذلك الجدل، وقد تعرّض بالفعل للمحاكمة أكثر من مرة بسبب جرأة موضوعاته، غير أنّ مكانته الأدبية ترسّخت مع الزمن ليصبح أحد أهم الأصوات الأدبية في العالم.
وتبرز الأهمية الفنية لقصة «توبا تيك سينغ» في بنائها الرمزي العميق، حيث لا تمثّل المصحّة العقلية مجرد مكان للأحداث، بل تتحول إلى صورة مصغّرة لعالمٍ فقد توازنه، بينما تجسّد شخصية «بيشان سينغ» الإنسان البسيط الذي وجد نفسه عاجزًا عن استيعاب منطق التقسيم. وتعتمد القصة على مفارقة ساخرة لاذعة، إذ يظهر "المجانين" فيها أكثر وعيًا من "العقلاء"، وكأنّ الجنون الحقيقي يكمن خارج أسوار المصحّة لا داخلها. كما تتسم لغة منتو بالتكثيف والإيحاء، حيث تتحول العبارات غير المفهومة التي يرددها البطل إلى رمز لانهيار المعنى نفسه في واقعٍ فقد منطقه. وتبلغ القصة ذروتها في نهايتها الصادمة، حين يسقط بيشان سينغ في أرضٍ لا تنتمي إلى الهند ولا إلى باكستان، في مشهدٍ رمزيّ شديد القوة يختزل مأساة الإنسان الذي فقد مكانه في عالمٍ ممزّق.
وتكتسب القصة أهميتها الاجتماعية من ارتباطها الوثيق بحدث تقسيم الهند عام 1947، الذي أدّى إلى واحدة من أكبر موجات الهجرة القسرية في التاريخ الحديث، مصحوبةً بعنفٍ طائفيّ مروّع. غير أنّ منتو لا يعالج هذا الحدث من زاوية سياسية مباشرة، بل يقدّمه من خلال معاناة الإنسان العادي الذي وجد نفسه ضحية قرارات كبرى لا يد له فيها. ومن خلال تساؤلات بيشان سينغ المتكررة عن موقع «توبا تيك سينغ»، تكشف القصة عبثية تقسيم الأرض والهوية، وتطرح سؤالًا وجوديًا عميقًا حول معنى الانتماء. كما تفضح القصة طبيعة السلطة التي ترسم الحدود على الورق، بينما تظلّ عاجزة عن ترسيمها في وجدان الناس.
أما من الناحية الأدبية، فقد شكّلت «توبا تيك سينغ» علامة فارقة في مسار القصة القصيرة في الأدب الأردي، إذ أسهمت في ترسيخ أسلوب الواقعية النقدية، وقدّمت نموذجًا فنيًا يجمع بين البساطة والعمق، وبين السرد المكثّف والدلالة الرمزية. وقد أثّرت هذه القصة في أجيالٍ من الكتّاب، وتجاوزت حدود اللغة لتُدرّس في مختلف أنحاء العالم بوصفها نصًا إنسانيًا عالميًا. وفي النهاية، يمكن القول إنّ سعادت حسن منتو استطاع من خلال هذه القصة أن يحوّل مأساة تقسيم الهند إلى عملٍ أدبي خالد، يكشف زيف الحدود المصطنعة، ويُعبّر بصدقٍ عن ضياع الإنسان في عالمٍ تتنازعه الانقسامات.
*******************************************************************************************************
[2] أستاذ بمركز الدراسات العربية والأفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي