كان اليوم يومَ زفاف ريتي. بدا أفراد الأسرة سعداء، ولم يكن فيهم أحدٌ إلا ويشعر بشيءٍ من الارتياح، وكأن عبئًا ثقيلًا قد أُزيح عن كواهلهم أخيرًا.
فلا أحد يستطيع أن يضمن بقاء فتاةٍ بلا أم في البيت مدةً طويلة. أما "الأم" — زوجة أبيها — فلم تكن تراها إلا فردًا زائدًا في الأسرة، لا أكثر.
فقدت ريتي أمها في طفولتها، ولم تكن قد وعَت بعدُ معنى كلمة "أم". كانت تنادي زوجة أبيها "أمي"، لكنها لم تدرك يومًا ما كانت تلك المرأة تُضمره لها في داخلها، أو طبيعة المشاعر الحقيقية التي تكنّها لتلك الطفلة.
وفي يوم الزفاف، لم يكن في المنزل سوى عدد قليل من الأقارب وبعض الجيران الذين جاؤوا بدافع الفضول أكثر من المشاركة. أراد أبوها أن يزوّجها بأسرع وقت، ليخفف عن كاهله عبء الفقر، ولأنه كان يظن أنه يُحسن تقدير المستقبل، وأن لديه أبناءً آخرين يعيلهم. لكنه نسي — أو تناسى — أن ريتي ابنته، فسلّمها إلى مصيرٍ غامض، متشبثًا بوهمٍ صنعه لنفسه.
ومن جهة أخرى، كانت ريتي تستعيد في ذاكرتها أيامها القديمة وتحنّ إليها: خروجها صباحًا إلى الحقول الواسعة مع الماعز، فلا تعود إلى البيت إلا عند المغيب. كانت ترجع منهكة، تأكل ما تيسّر، ثم تستلقي كأنها غائبة عن الوعي، حتى يوقظها أبوها مع أول خيطٍ من ضوء الصباح.
كانت ترى إخوتها وأخواتها، فتتساءل: لماذا لا يرافقونها لرعي الماعز؟ كانت ترى في ذلك متعةً خالصة وفرحًا حقيقيًا. تركض خلف القطيع الصغير، وشعرها الطويل المتشابك يتمايل في الريح كأنه يحتفل بحريته. لم تربط شعرها يومًا؛ كانت تريد أن تنطلق كجريان النهر.
تقضي النهار كله مع الماعز، تراقبها وهي ترعى الأعشاب الناعمة والشجيرات الخضراء، وتحدثها بلغة لا يفهمها البشر. كانت تحبها حبًا صافيًا، وتشعر أنها أصدقاؤها الحقيقيون. تبوح لها بأسرار قلبها الصغير، فترفع الماعز رؤوسها ببساطة وتجيب: "مي… مي… مي".
أما الآن، فهي محاطة بالنساء والفتيات، وامرأة مسنّة تهيّئها لتكون عروسًا. لم تجد ريتي فرقًا بين وجهها الآن ووجهها في طفولتها؛ فالبراءة والصمت ما زالا واضحين. غير أن صمتها لم يكن مجرد سكوت، بل كان صمتًا داخليًا عميقًا، وبراءتها براءةً محفورة في الروح.
كان عمرها اثني عشر عامًا فقط، لكن الجِدّ والحكمة سبقَا سنَّها. كانت قلقة على ماعزها المربوطة في الخارج، تتساءل في سرها: من سيعتني بها بعد رحيلي؟ من سيأخذها إلى الحقول؟ ولمن سأبوح الآن بأسرار قلبي الصغيرة؟ ومن سيصغي إليها؟ لا أدري… من؟
عادت إلى الحاضر بتنهيدة طويلة. كانت المرأة تشد شعرها بقسوة، فمدّت يدها تلقائيًا إلى رأسها. لم تربط شعرها من قبل، والآن تشعر أن القيود تُحكم حولها من كل جانب.
بدأت الدموع تلمع في عينيها، لكنها لم تسمح لها بالسقوط. أرادت أن تصرخ، لكن الكلمات تاهت في مكانٍ بعيد. كانت النساء يضحكن ويغنين، لكن ريتي لم تكن تعرف لحنًا ولا تفهم معنى تلك الأغاني.
عيناها معلّقتان بالمرآة، لكنها لا ترى نفسها حقًا. غيوم كثيفة من الأفكار تحجب رؤيتها، وذكريات متفرقة تطفو تباعًا.
ومن بينها ذكرى لا تُنسى، تجعل جسدها يرتجف حتى الآن، كما في تلك الليلة الباردة القارسة.
كان الضباب يغمر القرية، والليل في منتصفه. أصوات الكلاب خافتة تحت وطأة البرد، ولا يُسمع سوى وقع قطرات الندى: تب… تب… تب.
وفي هذا الصمت الثقيل، جاء غرباء إلى البيت. ضجة قصيرة سرعان ما تحولت إلى صراخ وبكاء. كان بكاء ريتي واضحًا، فتجمع الناس.
سأل أحدهم: "ما الأمر؟" لم يعرف أحد شيئًا، إلا أباها. حاول أن يدافع عنها، لكن الشبهات كانت تحيط بالموقف. صرخ بعضهم: "أيُّ أبٍ هذا الذي يفرّط في ابنته؟"
ومع الصباح، انتشر الخبر في القرية، وتهاوت مكانة الأب، وضاعت هيبته.
لم يتحقق ما كان يطمح إليه، فاشتد ضغطه عليها، ثم قرر أن يزوّجها "وفق التقاليد" ليتخلص من العبء.
غرقت ريتي في صمت عميق بعد تلك الليلة، كأن لسانها قد عُقد، وسُلبت طفولتها دفعة واحدة. أدركت أن أحدًا في البيت لا يحبها حقًا، وأن الرحيل بات قدرها.
كانت خائفة من المجهول؛ فقد رأت فتيات يذهبن إلى الزواج بفرح، وأخريات يذبلن في صمت ثم يغرقن في حزن عميق.
واليوم، أصبحت "شابة"، لكنها لا تعرف نفسها، ولا تدري ما الذي ينتظرها. ازدحم الناس خارج المنزل، وتعالت الأصوات معلنة وصول موكب الزفاف. ألقت النساء والفتيات نظرة أخيرة على أنفسهن في المرآة، ثم اندفعن إلى الخارج وهنّ يضحكن.
جلست ريتي وحدها أمام المرآة، تنظر إلى وجهها المزيَّن لأول مرة بهذا الشكل. لم تفهم معنى هذه الملابس الفاخرة، ولا الزينة التي تغمرها، ولا الفرق بين ما كانت عليه وما صارت إليه. كل ما شعرت به هو ثقل غريب يضغط على صدرها، كأن قيودًا خفية تُحكم حولها.
أرادت أن تمد يدها فتكسر المرآة، أو أن تصرخ حتى يسمعها العالم، لكن يدها بقيت ساكنة. كانت القيود التي فرضها المجتمع أقوى منها في تلك اللحظة.
ومع ذلك، في أعماق عينيها، اللتين لا تزالان تحملان بقايا براءة الطفولة، لمعت فكرة صغيرة، خافتة كنجمة في سماء ملبدة بالغيوم: لعلها في ذلك المكان الجديد، بعيدًا عن الحقول والماعز، تجد يومًا طريقًا لفتح نافذة صغيرة… طريقًا لتجري مرة أخرى، ولو داخل قلبها فقط. ربما تنتظرها هناك ماعز أخرى، أو ريح تحمل صدى "مي… مي… مي" من بعيد.
رحلت ريتي إلى سماء ضيقة، لا تعرف بعد إن كان لها فيها موضع حقيقي… أم أنها ستزرع، بين شقوقها، بذرة حرية صغيرة، تنتظر المطر لتنبت.
**********************************************************************
[1]باحثة في مركز الدراسات العربية والأفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي.