-------------------------------------------------------
يُعَدّ الحمارُ أبلهَ الحيوانات؛ فإذا أردنا أن نصف أحدًا بالحماقة البالغة، خاطبناه بـ"يا حمار". فالحمار إمّا أنه الأحمق حقًّا، وإمّا أنه لُقِّب بذلك لبساطته المفرطة وقوة تحمّله الزائدة، ولا يمكن الجزم بحلّ هذا اللغز!
أما البقرة، فهي حيوان أليف، لكنها تَضرِب بقرنها. والكلب مخلوق مسكين وشارد، غير أنه أحيانًا ينبح غضبًا.
لكن الحمار، مهما ضربتَه، ومهما قدّمتَ له من أعلافٍ متعفّنةٍ قذرة، فلن يغضب منك أبدًا، ولن تبدو على وجهه علاماتُ التذمّر أو الانزعاج. وهو لا يرقص طربًا في العام كله إلا مرة واحدة، في شهر أبريل، ومع ذلك لم أره يومًا سعيدًا أو مسرورًا. إنه دائمًا تحت وطأة اليأس والقنوط، كأنّ على عنقه أغلالًا من الحزن والملل.
ومن غير شكّ، يتّسم الحمار بصفاتٍ تشبه سماتَ الرهبان المتبتّلين في زهدهم وصبرهم. غير أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يراه أبله! وما رأيتُ طيلة حياتي استهانةً بالخصال الحميدة كهذه. لعلّه لا مكان للبسطاء على وجه الأرض!
ومع ذلك، للحمار أيضًا أخٌ آخر، أقلّ منه حمقًا، هو الثور؛ فإذا كانت كلمة «حمار» تُستعمل في دلالات الحماقة، فإنّ بعض الناس يرون في الثور قمّةً لتلك الدلالات. غير أنني لا أعتقد ذلك؛ فكم من الثيران نراها تثور وتغضب وتُبدي امتعاضها بأساليب شتّى، ولهذا أرى أنّ الثور أقلّ درجةً من الحمار في الحماقة والبلاهة.
كان لدى جوري كاتشي ثوران، اسم أحدهما مرجان، واسم الآخر لؤلؤ. وإنهما من السلالة المغربية، على غايةٌ في الجمال والرصانة، يبلغان من النشاط والقوة أقصاهما، ولهما قاماتٌ عاليةٌ شامخة. لقد تآلفا وتحابّا لطول تعايشهما معًا، وكانا يتحاوران وهما جالسان جنبًا إلى جنب، ووجهًا لوجه، بلسانٍ صامتٍ رمزيٍّ لا يُدرى كيف يتفاهمان به، ولا كيف يتبادلان به ما يخطر ببالهما.
ومما لا شك فيه أن لهما قوةً مكنونةً يعجز الإنسان، الموصوف بأشرف المخلوقات، عن فهمها. وكانا يُعبّران عن مودةٍ عميقةٍ بمشامَّة بعضهما البعض، أو بلعق أحدهما الآخر. وأحيانًا يتقارنان بقرنيهما؛ لا عِداءً ولا تمرّدًا، بل في سعادةٍ ولهوٍ ومزاح، كمزاح الأصدقاء فيما بينهم؛ إذ لا متعة في الصداقة دون مزاح، ولا ثقة فيها دون طُرفة وتمليح.
وعندما يُقرنان إلى المحراث أو يُساقان إلى العربات، يمشيان في تبخترٍ وانسجام، ويحاول كلٌّ منهما أن يتحمّل العبء أكثر من الآخر. فإذا أقبل المساء وتخلصا من عناء العمل، استراحا بلعق بعضهما بعضًا، وإذا وُضعت لهما الأعلاف نهضا معًا، وأكلا معًا، وجلسا معًا، وتركَا الكلأ معًا.
وذات مرةٍ، أرسل جوري الثورين إلى بيت حميه، وكيف للثيران أن تفهم سبب إرسالها إلى مكانٍ آخر؟ فظنّا أن المالك قد باعهما بغير رضاهما، فكابدا أخا زوجته غايا عناءً شديدًا في جرّهما إلى قريته. فإذا ساقهما من الخلف هربا يمنةً ويسرة، وإن قادهما من الأمام ولَّيا مدبرين، وإذا ضربهما هاجماه بقرنيهما.
ولو كان هذان الأخرسان قادرين على النطق، لسألا جوري في لوعةٍ واحتجاج:
"لِمَ تُبعِدنا عن دارك، ونحن لم نقصّر يومًا في خدمتِك ولا في عملنا؟ ولو طلبتَ منا جهدًا أكثر لبذلناه دون تردد. لقد رضينا كل الرضا أن نفني أنفسنا في سبيل خدمتك، فلم نشكُ إليك جوعًا ولا عطشًا، ولا قلّةَ في الحبوب أو الكلأ، وكنا نكلأ بطاعةٍ وانقيادٍ كلّ ما علفتنا، فكيف تبيعنا ليد هذا الظالم الشقيّ؟"
وصل الثوران إلى قرية غايا في المساء، جائعَين طوال النهار. ولما وُضع لهما الكلأ، لم يتناولا منه شيئًا، فقد كانا كسيري البال، حزينين على فراق منزلهما الذي ألفاه منذ زمنٍ طويل. لم يُعجبهما المنزل الجديد، ولا القرية الجديدة، ولا الوجوه الغريبة؛ فتحاورا بلسانهما الصامت، وتبادلا نظراتٍ رامزةً بالأبصار، ثم استرخيا على الأرض في صمتٍ مهيب.
وحين غطّت القرية في نومٍ عميق، كسرا الحبال بقوةٍ عجيبة، وانطلقا نحو منزلهما القديم. كانت الحبال متينةً أشدّ المتانة، حتى لا يخطر ببال أحدٍ أنهما سيتمكّنان من قطعها، غير أنّهما ازدادا قوةً على قوةٍ، فتمزّقت الحبال بسهولةٍ ويسرٍ، وانطلقا في ليلٍ ساكنٍ كأنّ الحنين كان يقودهما.
ولمّا استيقظ جوري صباحًا، رأى الثورين واقفَين في الهجير، تتدلّى من عنقيهما بقايا الحبال، وقد تلطخت أرجلهما كلها بالطين، وتلوح في عيونهما علامات الحب والعتاب. تهلّل وجه جوري لرؤيتهما تهلّلًا مفرطًا، واندفع نحوهما ليعانقهما في شوقٍ ومحبة. يا له من مشهدٍ خلابٍ فاتنٍ يُجسِّد عمق الصلة بين الإنسان والحيوان!
وسرعان ما اجتمع أهل القرية، رجالًا وأطفالًا، يهنئون ويباركون، ويرحّبون بعودة الثورين. لم يكن هذا الحدث غريبًا على تاريخ القرية، لكنه كان دون شك حدثًا مميزًا؛ فقررت جمعية الأولاد أن تُقيم لهما حفلة استقبالٍ بهيجة: جاء بعضهم بالخبز والرغائف، وجاء آخرون بالسكر الأحمر، وقدّم فريقٌ ثالث القشَّ المخلوط بالسمن والخل.
قال أحد الصبية: "إن هذين الثورين درّة يتيمة!"
فأجابه آخر معجبًا: "وكيف لهما أن يعودا من مكانٍ بعيدٍ بلا قائدٍ ولا راعٍ؟!"
وقال ثالثهم: "بالتأكيد، كانا بَشَرَين في حياتهما السابقة!" فلم يتجرأ أحدٌ على الاعتراض، بل أيّدوه جميعًا قائلين: "أجل، كانا بَشَرَين بكل تأكيد!"
وحين رأت زوجة جوري الثورين جالسَين على الديوان، ثارت غضبًا، وقالت في انفعالٍ شديد:
"يا لثورين ناكِرَين للجميل! لم يعملا هناك يومًا واحدًا، ثم هربا!"
لم يحتمل جوري هذه التهمة التي رآها باطلةً في حقّ ثورَيه، فقال مستنكرًا:
"وكيف يكونان ناكرَين للجميل؟ لعلهم هناك لم يقدّموا لهما ما يأكلان، فماذا كانا سيفعلان؟"
ردّت الزوجة بعصبيةٍ قائلة:
"وهل أنت الوحيد الذي يُطعِم الثيران في الدنيا؟ أما غيرك فلا يُقدِّمون لها إلا الماء!"
قال جوري بهدوء:
"لو وجدا العلف هناك، لما فرا من المكان"
فأجابته بحدةٍ أكبر:
"هربا لأنهم لا يُدلّلون الثيران كما تفعل أنت! هناك تُعلف بقدر ما تُستغَلّ في الحرث، أما هذان فغايةٌ في الكسل والبطالة، فرا هربًا من العمل! وسنرى الآن من سيمنحهما السمن والخل والأعلاف الدسمة! لن أطعمَهما بعد اليوم إلا القشّ اليابس، فليأكلا أو ليموتا جوعًا!"
وكان ما كان؛ فقد أمرتِ المرأةُ الخدمَ ألّا يُقدّموا للثورين سوى القشوش اليابسة. وذات يوم، حين شَرَعا في الأكل، وجدا العلفَ رديئًا جافًّا لا طعم له، بعيدًا عمّا ألفاه من الأعلاف الطريّة الغضّة، فتوقّفا عن الأكل، وراحا يحدّقان نحو الباب في انتظار ما يُبدّل الحال.
نادَى جوري الخادمَ قائلًا:
"ألَا تُلقي قليلًا من السمن والخلّ في علف الثورين؟"
فقال الخادم مترددًا:
"سيقتلنِيَت السيدة!"
قال جوري: "ألقِ قليلًا فحسب."
فردّ الخادم خائفًا:
"لا يا سيدي، وإلّا اتهمتني بأنني متجانفٌ لها ومعادٍ لأوامرها!"
جاء أخو زوجة جوري صباحًا مرة أخرى ليأخذ الثورين إلى بيته، فربطهما بالعربة. حاول لؤلؤ مرارًا وأحيانًا أن يُسقط العربة في بعض الخنادق، لكن مرجان كان يمنع سقوطها، وكانا في ذلك اليوم على غايةٍ من الصبر والتحمّل.
ربط غايا الحبلين حبالًا قويةً غرًّا، ربطًا انتقاميًا لعنادهما، ثم ألقي لهما القشوش اليابسة، بينما قدّم لثيرانه الخاصة أعلافًا طيبة.
لم يعتد مرجان ولؤلؤ هذه الجفوة والقسوة؛ فـجوري لم يكن يضربهما حتى بعصا الزهور، وكانا يتدللان عند مناداته. واليوم صارا فريسةً للضرب، مرغمين على تناول القش اليابس الذي لا يطيب لهما، فتغيب عن محيّاهم ملامح البهجة.
في اليوم التالي قرنهما غايا إلى المحراث، فلم يخطُا خطوةً، كأنهما اقترنا على الامتناع. ذهبت كل محاولةٍ من محاولاته سدىً، حتى إنّه مرةً أوقع عصاه على أنف مرجان، فاشتعل لؤلؤ غضبًا شديدًا، واندفع بالمحراث حتى انكسر انكسارًا، ولولا الحبال القوية المربوطة على عنقيهما لفرّ الاثنان هاربين.
نطق مرجان بلسانه الصامت: «يستحيل علينا الفرار.»
ردَّ لؤلؤ بإشارة العين: «كاد أن يقتلك؛ سيضربك الآن ضربًا شديدًا.»
قال مرجان بهدوءٍ مستسلم: "دعه يضرب؛ ولدتُ ثورًا فليس للضرب هروب."
اندفع غايا نحوهما رافعًا العصا مع رجلين آخرين. همس لؤلؤ: «ما رأيك، هل سأنتقم منه؟".
قال مرجان: "لا تفعل، قف ساكنًا."
أجاب لؤلؤ محتدًا: "إن ضربني لأهاجمه."
ردّ مرجان: "ليس هذا من طبعنا".
تحمّل لؤلؤ صبرًا، فوُصلا إلى بيت غايا ولم يُتعَرّضا لضربٍ فتاك حينها؛ وإلّا لكان لؤلؤ جاهزًا للثأر، فقد أدرك الجميع أنهما الآن ثائران مشتعلان.
قُدِّمت لهما القشوش اليابسة كالعادة، فوقفا دون أن يأكلاها. وجلس أهل البيت يتناولون طعامهم حتى خرجت فتاةٌ صغيرةٌ حاملةً رغيفين؛ سلّمتهما واحدًا تلو الآخر للثورين ثم عادت. لم يشبعا من هذين الرغيفين، لكنهما شعرا بسعادةٍ دفينة؛ فقد استأنسا بوجود قلبٍ حنونٍ. كانت الفتاة ابنة غايا—أمها ماتت منذ زمن، وكانت زوجةُ أبيها الثانية تضربها بشدّة—فاستأنست بحنان الثورين.
صارا يُشغَّلان طوال النهار في الحرث عملاً قاسيًا، ويربطان ليالٍ على الهجير، فتأتِيهما الفتاة كل ليلةٍ برغيفين، وبفضل هذا العطف تعاوَدت قوتهما فبقيَا قويين رغم القشوش اليابسة، غير أنهما ازدادا بغضاءٍ وتماديًا تجاه غايا.
وذات يوم خاطب لؤلؤ مرجان بلسانٍ صامتٍ رمزيٍّ: "أمضى صبري يا مرجان".
سأله مرجان: "فما العمل؟"
قال لؤلؤ: "سنهجم على غايا بالقرون".
ردّ مرجان: "لكن الفتاة ابنته؛ إن قتلته فستصبح يتيمة".
أجابه لؤلؤ: "فلا بدّ أن نقتل السيدة—إنها تضرب الفتاة كل يوم".
قال مرجان مستنكرًا: "تريد أن تقتل المرأة؟ يا لك من جبان"!
قال لؤلؤ مصممًا: «إذن نمزق الحبال ونهرب اليوم.»
وافق مرجان: "هذا هو رأيي، لكن كيف نمزق هذا الحبل القوي؟"
اقترح لؤلؤ: "لنمضغ الحبال أولًا، ثم نمزقها فجأة.» فجرت الفتاة لهما الرغيفين تلك الليلة، فحاول الثوران مضغ الحبال، لكن أفواههما لم تسعُ لسُمك الحبال رغم المحاولات".
انفتح الباب فإذا بالفتاة أمامهما؛ لعقَا يديها تواضعًا وانحناء، والتفت ذيلاهما متهلّلتين. مسحت الفتاة رأسيهما وقالت: «سأحلُّ عقدة الحبال؛ اهربا سريعًا، وإلّا ليقتلوكما—they intend to bind you by the nostrils.» (Note: I kept meaning; original said "بالآناف").
انحلت العقدة، لكنهما بقيا واقفين. قال لؤلؤ: «لم لا تمشي؟".
أجابه مرجان: "سيُعذَبُون هذه المسكينة؛ الجميع يشكُّون فيها".
فأطلقت الفتاة صيحةً: «جدي! جدي! ها هما الثوران يهربان—البِدار، البِدار! الثوران هاربان!»
خرج غايا مذعورًا واندفع نحو الثورين، فاندفعا بكل قوتهما، فأطلق غايا صراخًا ونادى أهل القرية، فانطلق خلفهما الجموع. انتهز الثوران الفرصة وخرجا مهرولين على طول الطريق حتى ضلّا السبيل المؤدي إلى دارهما؛ نسيا الطريق التي جاءا منها، فمرا بقرى وشوارع جديدة، فتوقّفا يفكّران في الطريق القويم الذي يوصل بهما إلى البيت.
همس مرجان بلسانه الصامت: "لعلنا ضللنا الطريق."
قال لؤلؤ نادمًا: «يا ليتنا قتلناه هناك!»
أجاب مرجان مُصِرًا: "لو قتلته لما استطعت أن أتماشى مع قيمي. كيف أتنازل عن مبادئي الدينية، حتى ولو كان هو خالف قيمه؟".
فأعياهما الجوع والعطش فدخلا يكلآن البازلاء في حقل، مترقبين عدم اكتشافهما. وعندما شبعا وارتويا، أحسا بنشوةٍ من الحرية وراحة بالٍ فراصعا رقصًا طربًا، ثم تجشَّآ وشرعا في مداعبة بعضهما ومدافعة بالقرون. دفعَ لؤلؤ مرجانه فسقط في خندق، فغضب مرجان غضبًا شديدًا وهاجَمَ لؤلؤ؛ وأدرك لؤلؤ أن المداعبة كادت تتحول إلى خصامٍ فعاد جانبه: "ها هو ثور وحشي يوشك أن يترنح علينا؛ قتاله انتحار. إن لم نقتله أفضى بنا إلى الهلاك".
قال لؤلؤ: "تورطنا؛ لا نعلم كيف نمنعه من الهجوم—لنفكّر في تدبير".
قال مرجان: "يمشي بخيلاء، لن يقبل اعتذارنا".
قال لؤلؤ: "فلنفر."
قال مرجان: "الهروب للجبناء".
قال لؤلؤ: "فلتبقَ أنت هنا، وأنا أهرب".
قال مرجان: "وإن عاد معاقبًا خلفك فماذا تفعل؟"
قال لؤلؤ: "ابدأ الآن بحيلة؛ هوذا الوحشي أمامك".
اقترح مرجان هجومًا مفاجئًا معًا: "أنا سأدفعه من الأمام، وأنت من الخلف؛ سيولي مدبرًا، وإن هاجمني أجرح بطنه بالقرون. صحيح أننا نلقي بأنفسنا إلى المهلكة، لكن لا مفرّ."
بادر الصديقان بالهجوم على الوحشي، الذي لم يعتد قتالًا منظّمًا؛ فقد كان معتادًا القتال فرادى. باغتاه لؤلؤ من الوراء حين هاجم الوحشي مرجان، فقوبل هجوم لؤلؤ باندفاعٍ ودفعٍ محكم من مرجان، فلم يتركا للوحشي مجالًا يتنفسه. وفي لحظة حاسمة جُرِح بطن الوحشي بقرنٍ من لؤلؤ صدفةً، ففرّ الأخير هاربًا، فتتبعه الصديقان حتى انهار الوحشي مغشيًا عليه، فتركاه وابتعدا.
مشيا المنتصران يرقصان ويطربان. ونطق لؤلؤ بلغته الرمزية: "كنت أودّ اليوم أن أقتل ذلك الوحشي".
قال مرجان: "لا ينبغي الهجوم على عدوٍ منهزم".
ردّ لؤلؤ محمومًا: "كلامك حكمةٌ زائدة؛ لو تمكن منا لودّ بنا إلى الهلاك".
سأل مرجان: "دبِّرْ، كيف سنبلغ المنزل الآن؟".
قال لؤلؤ: "لنأكل شيئًا ثم نفكر؛ فإن العقل الآن معطَّل".
ثم اقتحم لؤلؤ مزرعةَ البازلاء على خلاف ما نصحه به مرجان، فلم يمتنع. وما لبث أن بدأ يأكل بعضَ البازلاء حتى حضر رجلان يحملان العصا وأحاطا بهما. كان مرجان على حافة الحقل فاغتنم الفرصة وفرّ، بينما وُضع لؤلؤ داخل الحقل فغرقت حافراه في المستنقع فلم يستطع الهرب، فسُحل وأُمسك به. ولما رأى مرجان صديقه في الورطة عاد إليه فأمسكا به معًا، فحبساهما في سجن المواشي.
كانت هذه المرّة الأولى في حياتهما التي لا يجدان فيها شيءً من العلف؛ وكان حالُ غايا أسوأَ من ذي قبل من ضيقٍ وكدر. رأوا حولهما جواميسَ وأغنامًا وخيولًا وحميرًا، معظمها نُحِفَتْ جوعًا وعطشًا، كأنها جثثٌ هامدة على الأرض، وبعضها لم يعُد قادرًا على النهوض. قضى الثوران النهارَ متطلِّعَيْن عبر الباب باحثين عن علفٍ بلا جدوى، فراحا يلعقان الطين المالح عن الجدار دون شبع أو ريٍّ.
ولما لم يجدَا العلف تلك الليلة أيضًا، أخذ مرجان يتفكّر في الحيل وقال لـلؤلؤ: "يبدو أننا سنلفظ أنفاسنا الأخيرة".
طمأنه لؤلؤ: "لا تحزن ولا تثبِط يا أخي؛ دبّر حيلة للفرار".
اقترح مرجان: "هيا نهدم الجدار".
اعترض لؤلؤ: "لا أستطيـع فعل شيء الآن".
سخر منه مرجان: "يا لك من ضعيفٍ مستكين"!
اعتذر لؤلؤ: "لقد أرهقتني الظروف يا أخي".
كانت جدران السجن من طينٍ فهجم مرجان بقرنه الحاد عليها بقوّةٍ فانبثق طِبقةٌ من الطين، فاشتدّ شجاعته وضرب مرارًا متتالية فتطاير الطين قطعةً بعد أخرى. لاحظهُ مراقبُ السجن ممسكًا فانوسه وتفقّده المواشي، فلما رأى تمرد مرجان أمطراه ضربًا وربطه بحبلٍ متين. حدَّقَ لؤلؤ إليه وهو ساقطٌ على الأرض، فخاطبه بلسانٍ صامت: «هل جنى عليك تهديم الجدار غير هذا العذاب الأليم؟»
أجاب مرجان: «لقد حاولتُ فوق طاقتي.»
قال لؤلؤ: "ما فائدة هذه الجهود إن صَرتَ مقيدًا بالحبال؟".
ردّ مرجان مصممًا: "لن أتراجع مهما قويت الحبال. إن نجحتُ في تهديم الجدار لنجت المواشي كلها من هذه العذابات؛ فمنهم من هو على آخر أيام حياته".
فانضمَّ لؤلؤ إلى الضرب بقرنه، فسقط من الجدار بعضُه فاشتد حماسه، وأضاف ضرباته قوةً فبعد ساعتين من الجهد المتواصل انهدم جزءٌ كبير من الجدار، ثم رمى عليه ضرباتٍ مضاعفةً فهدمت نصفَه هدمًا.
وبمجرّد انهيار نصف الجدار انهضت معظمُ المواشي الضعيفة وهربت: فرّت الخيول الثلاث، والغنم، والجواميس، لكن الحمارين بقيا واقفين بلا حراك. سأل مرجان الحمارين: "لمَ لا تهربان؟".
أجابه أحدهما: "ماذا إن قبض علينا مجدّدًا؟".
طَمأنه مرجان: "سنوجد لكما حيلة إذا أمسكوا بكم، لكن الآن الفرصة سانحة".
قال الحمار: "أخاف؛ فلن أهرب".
انقضى نصف الليل والحماران متردّدان، ولؤلؤ منشغل بمحاولة قطع حبال رفيقه دون جدوى، فقال له
رجان: "اهرب أنت يا لؤلؤ، ودعني هنا؛ عسى أن نلتقي يومًا".
نظر إليه لؤلؤ بعيونٍ مُغرَّقةٍ بالدموع: "هل تظن أني أناني يا مرجان؟ قضينا معًا زمانًا طويلًا؛ كيف أتركك في هذه المحنة؟".
قال مرجان: "سيظنونك فاعلَ الفساد وسيعاقبونك".
قال لؤلؤ بحزمٍ: "إن الجريمة التي قيدونا من أجلها لا بأس أن أُضرب من أجلها؛ لقد أنقذنا أخواننا من الهلاك."
أدفعَ لؤلؤ الحمارين بالقرون فخرجوا، ثم نام بجوار صديقه. وفي الصباح الباكر ثارت الضجة بين المراقبين والعسس والعمال، فأقبلوا عليهما كالغاضبين على القصعة، فربطوه بحبلٍ قويٍّ سمين.
ظلَّ مرجان ولؤلؤ مربوطين هكذا أسبوعًا كاملًا، وكان أشقى مراقبٍ ذلكَ الرجل! فلم يُقدّم لهما خلال تلك الفترة إلا الماء لمرةٍ واحدةٍ طوال اليوم والليل—هذا كلّ ما كان علفهما—حتى صارا هياكلَ عظامٍ من شدة الهزال.
وذاتَ يومٍ، عجّت الشوارع المقابلة للسجن بالناس، واحتشدت جموعٌ غفيرةٌ تتظاهر ضد النظام، ففتحوا أبواب السجن وأطلقوا الثورين. وجعل الناس يعتنون بهما، ويزورونهما من القرى البعيدة، فهما صارا حديث الناس كلهم. ومن ذا الذي يشتري حيوانَين خامدَين هزيلَين مثلهما؟
وبينما هم على تلك الحال، إذا برجلٍ محمرّ العينين، تلوح عليه القسوةُ والغلظة، يقبل يساوم المراقب على شرائهما. ارتجف الثوران لرؤيته، وقال مرجان بلسانه الصامت: «من هذا الرجل؟ ولمَ يريد شراءنا؟ أظنه سيذبحنا بعد أن يبتاعنا.» نظر أحدهما إلى الآخر بعينٍ واجفةٍ خاشعة، ثم قال مرجان: «لقد كنا مخطئين في الهروب من بيت غايا، ولا مفرّ الآن من الذبح.»
قال لؤلؤ في أسى: "يُقال إن رحمةَ الرب وسعت كلَّ شيء، فلماذا لا تشملنا نحن الاثنين؟"
أجابه مرجان: "سواءٌ علينا عند ربنا، نحيا أم نموت.".
قال لؤلؤ: "لنمشِ إذن، سنقضي أيّامًا معدودات معه".
قال مرجان: "لقد أنقذنا الله مرّةً على يد تلك الفتاة، أفلا ينقذنا الآن؟"
قال لؤلؤ«سترى أنّ هذا الرجل سيذبحنن".
قال مرجان في استسلامٍ رزين: «هينٌ علينا، نموت ونرتاح من هذا البلاء.»
بيع الثوران بالمزاد، وسارا مع الرجل، وجلودهما تقشعرّ خوفًا ورهبةً؛ كانا لا يكادان يخطوان خطوةً إلا خوفًا من سوطه، فيمشيان مذعورَين مكرهَين.
وفي الطريق، مرا بمرعى ناضرٍ تموج فيه الأبقار والثيران فرَحًا، تتراقص طربًا وتمضغ الأعلاف الغضّة بكسلٍ ورضا. فقال مرجان":يا لها من حياةٍ سعيدة! ولكنها أنانية لا تبالي بما يجري حولها من ظلمٍ لإخوتها المأسورين."
وما لبثا أن شعرا بأن الطريق مألوفة؛ لقد رأيا المزارعَ والبساتين والمروج التي عرفاها من قبل حين كانا في طريقهما إلى بيت غايا. فأسرعا في السير وقد زال عنهما التعب واليأس والخوف. قال لؤلؤ في فرح: "ها هي مزرعتنا أمامنا! وتلك البئر التي كنا نشرب منها"!
قال مرجان بخشوع: «وما ذاك إلا بفضل ربنا.»
قال لؤلؤ: "هيا نهرب إلى البيت!"
قال مرجان: "وهل يدعنا هذا الرجل نفرّ؟"
قال لؤلؤ: "سأدفعه بقرنيّ وأركض إلى المنزل! سأصل إليه ولو سقط هو أرضًا!"
قال مرجان: "كلا، سنتوجه إلى الهجير، ونبقى هناك كما اعتدنا."
فانطلقا يركضان في سرعةٍ مدهشة، يرقصان ويقفزان كأنهما يطويان الأرض طيًّا. توقّفا على الهجير القديم، فثار الرجل غضبًا وعاقبهما ضربًا.
وكان جوري كاتشي جالسًا على دكّة بيته يستدفئ بحرارة الشمس، فما إن رأى الثورين حتى نهض إليهما مسرعًا يحتضنهما بحنوٍّ بالغ، فانهمرت الدموع من عيونهما، وأخذا يلعقان يديه ورجليه في محبةٍ وحنين. وإذا بالرجل الذي اشتراهما بالمزاد يسعى إليهما ليشدّ حبالهما من جديد، فوقف له جوري وقال بحزم: "الثوران لي."
قال الرجل: "وكيف يكونان لك؟ لقد اشتريتُهما بالمزاد"!
قال جوري: "أظنّك سرقتهما؛ الأفضل أن تغادر تَوًّا، فالثوران لي، لا يستطيع أحدٌ أن يبيعهما دون إذني".
قال الرجل متوعّدًا: "لقد اشتريتُهما حقًّا".
قال جوري ببرودٍ واثق: "ربما اشتريتَهما، ولكنك لن تأخذهما."
تقدّم الرجل بغتةً يريد انتزاع الحبال، فهجم عليه لؤلؤ هجمةً عنيفةً بقرنيه، فارتدّ الرجل مذعورًا، فأعقبه لؤلؤ بضربةٍ أخرى طاردًا إيّاه خارج القرية، وسدّ عليه الطريق. راح الرجل يسبّ ويقذف الحجارة من بعيد، بينما وقف لؤلؤ شامخًا يسدّ الممرّ في وجهه. تجمع الناس في ساحة القرية مستمتعين بالمشهد، يضحكون ويهلّلون.
وبعد أن فرّ الرجل مهزومًا، عاد لؤلؤ إلى البيت مرحًا بكبرياء المنتصر. قال له مرجان ضاحكًا: "كنتُ أخاف أن تقتله!"
قال لؤلؤ: "لو اقترب ثانيةً لقتلته حقًّا."
قال مرجان مطمئنًّا: "لن يعود بعد الآن."
قال لؤلؤ: "إن عاد لأذيقنَّه عذابًا لا يُنسى، ولنرى من يجرّنا من هنا بعد اليوم!"
وبعد قليل، قُدِّمت لهما القشوش الممزوجة بالسمن، وأنواع الأعلاف الدسمة الطريّة، فراحا يأكلان في لذةٍ وسرور، بينما كانت عينا جوري تكتحلان بفرحٍ عميقٍ لرؤيتهما في نعيمٍ وطمأنينة. اجتمع عشرات الأطفال حولهما مبهورين بالمشهد الخلاب، وضجّت القرية بالفرح والابتهاج. وفي تلك اللحظة، خرجت السيّدة، فقبّلت رأسي الثورين بحبورٍ وسعادةٍ، وقد عمّ المكانَ نورُ الوفاء بعد عتمة الظلم.
**************************************************************************************************
[1] أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة بنارس الهندوسية، فارانسي، الهند
Email: q.shaban82@gmail.com