بقلم لبنى ياسين*
--------------------
أستيقظ تمامًا في الوقت ذاته كل يوم، ذلك أن تواطؤًا خفيًا بيني وبين عقربي الساعة قد حدث منذ أزمنة سحيقة، فتوحدت مع تلك الرتابة القاتلة للدوران في المسار نفسه دون جدوى ولا جديد. لا شيء البتة، كل شيء في المكان ذاته والوقت ذاته. وإذا كان هناك داعٍ لا أعرفه للتفاؤل، فلنقل إذًا: لقد استيقظت… فأنا على قيد العيش، وليس على قيد الحياة، ذلك أن للحياة معنى آخر أحس بفقده رغم أنني لم أخبره من قبل.
عندما وُلدتُ لأمي، لم تفرح بولادة صبي كما جرت العادة، بل غضبت وأقسمت ألا تُرضعني، ثم عدلت عن رأيها بعد أن رأت الحَوَل الشديد الذي أعاني منه. ربما شعرت بالشفقة على كائن ضعيف أحول، أو أحست بالمسؤولية تجاه ولادتها لي على أرض كهذه وبحال كهذا. وكثيرًا ما تعايشتُ مع الحَوَل بمحبة بعد أن علمت أنني كدت أموت جوعًا وأنا أرفض أي شيء يقدمونه لي من ماء وسكر، وحليب بقر مخفف، وأمي ترفض إرضاعي. قيل لي إنني عانيت من جوع شديد حتى ترفقت بي وأرضعتني، مما جعلني ممتنًا لحولي الذي أنقذ حياتي، وورطني في علاقة غريبة مع الطعام. فأنا ألتهم بكل المعايير، أسمع ولا أتكلم، أرى ولا أتصرف، أتلقى ولا أُرسل، أبتلع كل شيء في طريقي ولا يخرج مني أي شيء.
كانت أمي تتمنى أن تضع مولودة أنثى بعد سبعة ذكور لم تطق واحدًا منهم، ليس لأجل الفتاة بعينها، ولكن من أجل فستان زفافها الذي غلّفته بشرشف أبيض ووضعته في مهابة وإجلال في خزانة وحده. حضر وحده، واحتل خزانة بكاملها، بينما تكومت ثيابنا أنا وإخوتي في صناديق كرتونية. انتظرت فتاتها عمرًا بأسره وهي تلد الذكور. كان وجه أبي يشع فرحًا إثر كل ولادة، بينما تزداد أمي قلقًا وعصبية وشحوبًا وكرهًا لنا.
وظل الفستان معلقًا بالإجلال نفسه في تلك الخزانة، وقبل أن تموت أوصت أخي الكبير أن يلبسه لابنته فاطمة التي سمّتها. المسكينة لم تعلم أن بنات هذا الزمن لا يرفلن بأثواب الماضي. وهكذا ذهب الفستان إثر موتها، مع بقية ثيابها، إلى الجمعية الخيرية، ولم نعرف أبدًا إن كان قد حظي بجسد فتاة في حفلة زفاف ما.
منذ أن دخلت المدرسة لم تفارقني نظارتي أبدًا، ولم تفارقني مشاكسات الصبيان ومناداتهم لي بـ«أبي ست عيون»، لكنها –للحق– لم تكن تزعجني أبدًا، فمن غيري يعلم أن هذه العاهة التي مُنيتُ بها كانت سببًا في معاملة أمي لي برفق، وإطعامي سرًا من كل ما حُرم منه إخوتي.
ولطالما رفعتُ النظارة عن عينيّ عند شعوري بالملل، ليزدوج كل شيء أمامي، فأُسلّي نفسي عندها بالعدّ، أو بلعبة إيجاد الفرق، أو أي لعبة غبية أتقنتها بسبب عيوني الستة. ثم ما إن يبدأ رأسي بإعلان العصيان على تلك الرؤية الازدواجية حتى أعيد نظارتي إلى مكانها، ليتوحد كل شيء ونقيضه، ويتوقف صداع الازدواجية.
من حسن حظي أن هوايتي المفضلة التي تشعرني بوجودي على الأرض هي شيء مشروع تمامًا للبشر كما لأي كائن آخر، حتى الحيوانات. فأنا أهوى الطعام الرخيص الشعبي، ألتهمه بمحبة نادرة وشعور خفي بالسعادة يتملكني. وهو سبب آخر مُنيتُ به للتفاؤل. فإذا نظرنا إلى الوجه الآخر، فلو كنت مغرمًا بالكافيار لأصبتُ بإحباط مدقع مردّه إلى أنني لن أحظى بتناول وجبتي المحببة إلا بمعجزة. لكن أن أهوى ما ثقل وزنه وخف ثمنه من الطعام، فتلك نعمة أُحسد عليها.
ينتابني اليوم شعور غريب، فرأسي خفيف كبالون، أشعر أنه قد يقتلع نفسه من فوق عنقي ويطير. ويداهمني خوف خفي من أن أغدو دون رأس، ككائن من كائنات زكريا تامر. هذا لا يحدث إلا في قصصه، وأنا لست هناك لأكون من تلك السلالة، فعليّ أن أحافظ على رأسي إذًا.
لم أفكر مرتين، كفاني أنني تذكرت مخلوق زكريا تامر حتى جريت إلى العيادة. نظر الطبيب إليّ بريبة بينما كنت أحدثه عن رأسي الذي أخاف أن يطير، وجال في خاطره –كما بدا لي– أن عقلي هو الذي يرفرف بعيدًا عن رأسي. لكنه طلب، على غرار ما يفعله الأطباء عادة (أخبرتكم من قبل… لا جديد في الحياة)، تحاليل دم وصور أشعة.
شدّت الممرضة يمناي بنزق ووضعتها على المسند الخاص بسحب الدم. تحسست عروقي وبدا لي أن شيئًا لم يعجبها، ثم شدّت قطعة المطاط حول ذراعي بقوة حتى خلت أن ذراعي انشطر إلى قطعتين. ثم عادت تتحسس عروقي بأناملها، بعدها غرست الإبرة في وريدي وحاولت أن تسحب، إلا أن نقطة دم واحدة لم تخرج من ذراعي. فسحبت الإبرة وغرستها في وريد آخر، ثم ثالث، ثم تحولت إلى يسراي وأعادت الكرة فيها، ولم تحظَ بنقطة دم واحدة. عندها صعدت بإبرتها إلى عنقي تستجدي وريدًا، مما جعلني أرتعد خوفًا، لكن محاولاتها لم تجد نفعًا، فلا دم يجري في عروقي.
للحق… هالني الأمر كما هال الممرضة، ولكن من زاويتين مختلفتين. فأنا أرعبني ألا أجد لي دمًا، بينما أزعجها الوقت والجهد اللذان ضاعا بحثًا عن دمي الهارب.
أرسلتني بدورها إلى قسم الأشعة، وبعد تصوير رأسي لم يجدوا داخلي شيئًا يُذكر. هذه المرة لا أقصد الدم، بل المخ بأسره، والدماغ وكل ملحقاته. فما كان منهم إلا أن صوّروا بقية أحشائي، فلم يجدوا فيها إلا معدة كبيرة تستولي على معظم تجويف جسدي. لا قلب، ولا رئة، ولا أي شيء آخر. وبعد عملية فتح بطن استقصائية تبين لهم أن جوفي محشو بالقطن، كمية هائلة منه تحتل الفراغ في داخلي. أما كيف؟ فوحده الله يعلم. كل ما أذكره عن آخر مرة تعاملت فيها مع القطن أنني اضطررت يومًا إلى وضع كمية منه في فمي. كنت أريد أن أصرخ ملء صوتي: «لا»، لكنني، خوفًا على مستقبل لا جديد فيه، وخوفًا من أن أختلق بلائي مستقبلًا جديدًا لا يتناسب وقياس طموحي المحدود جدًا، آثرت أن أزرع فمي قطنًا، أن أحشوه حشوًا ليكفّن تلك الـ«لا» قبل خروجها من فمي. لكنني يومها تلقيت ضربة على ظهري من أحد أصحاب البساطير الضخمة، فابتلعت دون قصد جثة «لائي» الوحيدة –التي لم أرَ غيرها بعد ذلك اليوم– مكفنة بكل ذلك القطن.
الغريب في كل هذا أن الطبيب لم يبدُ عليه أي أثر لاستغراب أو دهشة، حتى إنه لم يرفّ له جفن، وكأنه قد عاين آلاف المحنطين قبلي. هل قلت محنطين؟ نعم، محنطين. وماذا يمكن أن أُسمي حالة كهذه سوى التحنيط؟
خرجت من عنده ومعي وصفة فيها عدد لا بأس به من الأدوية المسكنة لإيقاف أي شعور بالغضب أو الاستياء. رميتُ بها، كأي مواطن صالح للغاية، في سلة المهملات. فأنا أعلم تمامًا أنني لن أغضب، ولن أشعر بأي شيء سوى الجوع وفراغ رأسي الذي يكاد أن يطير. أخرجت نظارتي الطبية وأنا أطالع وجوه الناس، أحاول أن أصنفهم إلى محنطين وغير محنطين. ولأن في داخلي تساؤلًا عن كل من حولي من البشر، ولأنني مشغول للغاية بالقطن الذي يحتل تجاويفي، وضعت النظارة بطريقة مقلوبة. لم تشعر أذناي وأنفي براحة لهذا الوضع الغريب، لكنني، للمرة الأولى، أرى الدنيا بكل هذه الألوان.
*********
* كاتبة وفنانة تشكيلية حاصلة على بكالوريوس العلوم والدبلوم العالي للتأهيل التربوي من جامعة دمشق، إلى جانب دبلوم في الرسم والنحت من معهد أدهم إسماعيل، ودبلوم في اللغة الإنجليزية. شاركت في أمسيات أدبية داخل سوريا وخارجها، في بلدان منها المغرب والسويد، وتُرجمت أعمالها إلى عدة لغات، منها الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والبلغارية. عملت في المجال الصحفي والثقافي مراسلةً وعضو هيئة تحرير، وكتبت في عدد من المجلات والصحف العربية، كما مارست الفن التشكيلي وأقامت معارض فردية في هولندا وشاركت في معارض دولية في كوريا. هي عضو في اتحاد الكتاب العرب وعضو فخري في جمعية الكاتبات المصريات. صدر لها عمل روائي بعنوان “رجل المرايا المهشمة” (2013)، إلى جانب عدد كبير من المجموعات القصصية والشعرية والمقالات الساخرة، من أبرزها “ضد التيار”، و“أنثى في قفص”، و“سيراً على أقدام نازفة”، و“تراتيل الناي والشغف”، و“نساء الأصفر”، و“وابل من الخيطان”. نالت جائزة أدب المهجر في هولندا عام 2014، واختيرت ضمن قائمة أهم 100 كاتب في العالم وفق منظمة الصحافة العالمية.