كان الأستاذ أحمد مديرًا لمدرسة ابتدائية في قرية نائية. تفصل بين بيته والمدرسة سبعة كيلومترات على طريق مهجور، لا تمرّ فيه وسائل نقل، ولا يُسمع فيه سوى وقع الأقدام أو صفير الرياح.
كان الأستاذ أحمد رجلًا دمث الأخلاق، طيب المعشر، فكثيرًا ما كان أهل القرية يعرضون عليه توصيلة بدراجة نارية أو هوائية. أما في الأيام العصيبة، فلم يكن أمامه إلا الاعتماد على قدميه. وكان يتمتم كل صباح قبل الخروج: "لماذا اختارت الحكومة هذا المكان المعزول لبناء مدرسة؟"
بعد سنوات من الادخار والصبر، اشترى أخيرًا سكوترًا صغيرًا من نوع هيرو هوندا. وحين عاد به إلى البيت، قطع عهدًا على نفسه: ألا يرفض طالب توصيلة أبدًا، وألا يخيّب أمل محتاج، وأن يساعد كل من يلقاه في الطريق ما استطاع. فقد عرف – من تجربته الطويلة – كم يكون الرفض مؤلمًا في طريق مهجور.
ومنذ ذلك اليوم، لم يذهب إلى المدرسة إلا وخلفه راكب، ولم يعد إلى بيته إلا ومعه رفيق طريق.
وذات مساء، وهو عائد من المدرسة، استوقفه رجل غريب. أوقف الأستاذ السكوتر، وأجلسه خلفه. وبعد مسافة قصيرة، وضع الرجل سكينًا على ظهره وقال بصوت خشن: "أعطني كل ما عندك، واترك السكوتر، وإلا قتلتك."
ارتعد الأستاذ أحمد خوفًا. لم يكن معه مال كثير، لكن السكوتر كان ثمرة تعب سنين، وحلمًا طال انتظاره. سلّمه مكرهًا، ثم قال بهدوء: "خذ السكوتر، لكن لي رجاء واحد."
قال اللص بدهشة: "وما هو؟"
قال الأستاذ: "لا تخبر أحدًا من أين حصلت عليه، ولن أبلغ الشرطة أبدًا."
استغرب اللص وقال: "ولماذا يا ترى؟".
أجاب الأستاذ: "هذا طريق مخيف أصلًا، فإن عرف الناس أن السكوتر سُرق هنا، لن يرضى أحد بعد اليوم بمساعدة أحد."
تحرّك شيء ما في قلب اللص. أدرك أن الرجل أمامه ليس ضعيفًا، بل إنساني أكثر مما ينبغي. ومع ذلك، انطلق بالسكوتر واختفى في الظلام.
في الصباح التالي، فتح الأستاذ أحمد باب بيته فتجمّد في مكانه: كان سكوتره واقفًا أمام الباب. اقترب مذهولًا، فرأى ورقة معلقة على المقود، كُتب فيها بخط مستعجل:
"يا أستاذ، لا تظن أن كلماتك أثرت فيّ بسهولة. ذهبت بالسكوتر أولًا إلى تاجر المسروقات، فما إن رآه حتى قال: أليس هذا سكوتر المعلّم؟ فقلت: نعم، أرسلني في حاجة عاجلة… ثم هربت. دخلت محل حلويات لأشتري شيئًا آكله، فقال البائع: كيف تقود سكوتر المعلّم؟ فقلت: ضيوف جاءوا إلى بيته فأرسلني لأشتري لهم.كل من صادفته قال: سكوتر المعلّم! فهمت أنني لا أسرق سكوترًا، بل أسرق ثقة قرية كاملة. وعند حدود المنطقة، أوقفني رجال الشرطة: إلى أين تذهب بسكوتر المعلّم؟ كدت أُفضَح ويُقبض عليّ، لكني نجحت وهربت… سيدي، لا أدري إن كان هذا سكوترك أم سيارة رولز رويس لموكيش أمباني! لأنه سكوتر المعلّم. أعدته إليك، وملأت خزان الوقود كاملًا، تكفيرًا عن خطأ كاد يدمّرني. سامحني إن استطعت."
قرأ الأستاذ أحمد الرسالة، فابتسم ابتسامة هادئة، وقال في نفسه: "ما دام الخير يُزرَع، فلا بد أن يثمر يوما ما".
************************************************************************