على حافّة الضجر أصبحتُ قاب فكّين أودني مِنَ الابتلاع، قرّرت الهروب نحو موج البحر غير المتناهي لعلّي أجد حلًّا، سِرْتُ مجرّدًا من أيّة فكرةٍ أو برنامج، سلّمته نفسي بيضاءَ نقيةً، استهوتني فكرة حديث نفسي، على الشاطئ أسير حافيًا على الرمل الذي غدا أغور وأبعد وأكثر احتضانًا للسائرين، أخيرًا وصلت، خلعتُ حذاء التوجُّس أتأمّل صراع الموجات وزمهريرها الذي يُهْزَم على عنفوان الحجر.
لفّني تعب السير، بحثتُ عمّا أستند إليه، لاح أمامي، هناك في البعيد صخرةٌ يتيمةٌ كاد يلامسها الموج عند محاولته الوصول لأعلى المدّيات، جلست عليها أرقب السماء المكفهِرَّة، بعض الغيمات تتشح بالبياض، فيما الأخريات يتّخذن من الجمود مَسندًا لهن، غائبٌ أنا عنِ الوجود، لا أشعر بما يدور حولي، لفحتني برودة قطراتٍ هاربةٍ من تماسك موجةٍ هادرةٍ تسبّبت في إيقاظي من غيبوبةٍ طوعيّة، أعادتني إلى مباهجِ الطبيعة، تسمّرتْ عيناي على منظر اصفرارٍ يتقدّم من عمق الشاطئ إلى البحر، تمعّنتُ بتأنٍّ، مسحتُ عينَيّ جيّدًا لأتأكّد من صدق رؤيتي، لم يمرَّ وقتٌ طويلٌ حتى اتّجه الكائن الغريب نحوي عن قصد، شعرتُ حينها بالخوف يتسرّب إليَّ مرتعبًا قلتُ لنفسي:
- يا لهول المصيبة! ما هذا اللون الأصفر الغازي لشعرها؟! ما أجملَ قميصها القاني المتعاكس بوهج وصراخ اللوّنيين!
اقتربتْ أكثرَ فأكثر، تعدّتِ البحر وباتتْ في الـ.... أووه، إنها ترفع سروالها إلى أعلى الركبتين، لتظهر ساقيها المرمريّتين ببياضٍ مثيرٍ كلوحةٍ تزداد جمالًا بانعكاس زرقة البحر.
خلعتْ قميصها، فأذهلتْ رُوّاد الشاطئ، يا الله... إنها ترمي قميصها على الرمل! ما هذا؟! هل أنا في حلم؟!
نزلتُ من أعلى الصخرة، تقدّمتُ نحوها، بدتْ ككائنٍ خرافيّ، عجز وعيي عن وصفه، حدّثتُ نفسي:
- يا لهذا القَدَر! محاولاتها المثيرة تُصَعِّب التنبُّؤ ببقاء شيءٍ على جسدها، هل أتوقّف؟ أأتقدّم؟ لا لا، دعوني أترقّب ما بعد ذلك.
أخذتُ أتمعّن أكثر في مكامن تضاريسها، بدتْ كحوريّة غريبة!
تلبّستني الدهشة، دفعتني للصراخ بلا وعي، شعرت برأسي يرتطم بحفرةِ رملٍ منسيّة على الشاطئ، حتى وطأْتُها بخرافةِ جنوني وغيابي الذهنيّ الذي تلاشى يطارد تلك الحوريّة الشهيّة بتشكيلات أعضاء جسدها الطاغي بأنوثته، نهضتُ أنفض الرمل من ملابسي؛ محاولًا إقالةَ عثرتي، حتى أصابتني دهشةٌ أخرى لا تقلّ عَنِ الأولى: "أين ذهبت الحورية؟ أين اختفت؟! يا ربي! هل كنت أحلم؟! لا.. لا، إنها حقيقة، لكن.. كيف اختفت بهذه السرعة؟! يا لغبائي وسوء حظي!"
ركضتُ دون إرادةلأقربِ شارع، عسى أن أجدها، دون جدوى أتمتم: "يا لبؤسِ حالي! لقد فقدتها وأنا بقمّة خيالي!"
عدتُ إلى الصخرة؛ علّني أجد دليلًا عليها، بلا جدوى باءتْ محاولاتي بالفشل، جُنّ جنوني، توتّرتْ أعصابي وخيّمَ عليَّ الحزن.
فيما كنت أترقّب الزمن مستغرقًا بالتأمُّل، تذكّرتُ إحدى الحكايات التي روتها جدّتي: "الأميرة ياقوتة التي وقعت في مشكلة، واستنجدت بالمارد الذي أنقذها".. آااه، أين أنتِ يا جدّتي؟ أين المارد؟ أين أنا من هذه اللحظة المفترسة، أشعر بمزيجٍ من اللا شيء يعتريني، يعيد تكويني، أحسستُ أني أُولَد من مخاض البحر، رِحِم الحوريّة، وفيما كنت مشتبكًا حدّ الغياب في فصول تلك الحكاية غير المبرمجة، قدحتْ ببالي فكرة الاستنجاد بالمارد؛ علّه يدلُّني على حورية البحر التي تفتّقتْ بحركاتها وعُرْيِها بما تسلُب به الألباب ويسيل له اللُّعاب، وفيما كنت كذلك إذا بأحدهم يلكزني بقوّةٍ بعصاه على كتفي:
- أنت، يا هذا، قم معنا.
- إلى أين؟ ومن أنتم؟
- نحن شرطة المدينة، ألا تعرفنا؟
يقرأ بطاقة التعريف الملصقة على معطفه... "ش. ش. شرطة مكافحة الحالمين"
يصرخ في وجهه:
- ألا تعرف أن الحلمَ ممنوع، ألم تلاحظ أنك تحلم في وضح النهار وأمام الجميع؟
- أعتذر، لم أكن على علمٍ بأنني في مدينةٍ يُمْنَع على سكّانها الحلم!
- اعتذارك لن يغيّر مِنَ الأمر شيئًا، أنت رهن الاعتقال، سنقيّدك، وفي المحكمة قل ما تريد أمام القاضي..
تتسارع الصور، تتقاذفه المكنونات، يحاول الانسلاخ ولو بكابوس، ففي المحكمة يسمع قضايا عديدة مختلفة، تحتاج للمارد ومصباحه السحريّ، يسمع الحكم بقضيّته، أُناس يستعدّون لعقابه، يقتربون، ما إن شرعوا في جلده حتى استيقظ مذعورًا.
أوه، لقد كنت أحلم، كان حلمًا مربكًا، أحداثه كثيرة: شاطئٌ، صخرةٌ، غريبةٌ شقراء، شرطةُ أحلام و.... تنبّهَ لتأخُّره عن العمل، غادر سريره، في الطريق رأى الكثير من أشباه الشقراء، يتجوّلن بحريّةٍ في الأنحاء، خلف المكاتب جالساتٌ يأمرن، يرى الكثير من منفِّذي الأنظمة يراقبون الناس، والشاطئ وقد اختلطت مياهه العذبة بمياه المجاري، يبدو الواقع كأنه كابوس، يشهق صارخًا:
- أين شرطة الكوابيس؟!
_________________________________________
[1]كاتبة وشاعرة من مملكة البحرين