----------------------------------
- ألن تأتي معي؟
لم أرد عليها.
تأملتُ المقابر التي تدعوني إلى زيارتها، تشبه حفنة من الأرامل الكئيبات وهى تبتلع حبيبتي السابقة التي جاءت من روما لتحيي قصة حبنا القديم.
لم آت هنا منذ زمن يبدو الآن وكأن فجر التاريخ.
لا يزال الطريق المؤدي إلى المكان مفروشا بالأسى والعشب المحترق وذكريات غير سعيدة لصبي يلسع التراب الساخن قدمه الحافية. الجديد تلك الواجهات المشيدة بسيراميك لامع يفتقد للذوق والتجانس.
رفضت دعوتها لأن أرافقها في "تلويحة سريعة لأبي في بيته الجديد"، لم أعرف إن كان بيتا فعلا أم هو فقط ما يرجوه البشر حين يتعلق الأمر بالعالم الآخر. حدث كل بشىء بسرعة تفوق قدرتي على الاستيعاب. المؤكد أن دم الوالد، بحسب التعبير الشعبي الذي يمزج الحنان بالقسوة في بساطة مخيفة، لم "يجف" بعد.
أطلقتُ دفعة جديدة، أكثر كثافة هذه المرة، من دخان السيجارة الإلكترونية. الاختراع الأنيق الذي من المفترض أن يساعدني، كرجل أحمق منفلت وكائن تافه تهزمه رغباته السُفلية، على الإقلاع عن ثاني أجمل عاداتي بعد فنجان القهوة بالكريمة في الصباح الباكر.
ما حدث كان العكس تماما.
كلما تعاطيتُ رذاذ البخار بمذاقه المتعفن ونكهاته الزائفة، ازداد حنيني إلى التدخين الحقيقي مثل راع يتجول في البرية ليحمي الماعز من ذئب لا يظهر إلا في مخيلته.
- أوكى، سأذهب بمفردي.
هذا الهدوء الذي خلّفته وراءها، لينحت ملامح قرية نائية في ساعات البكور البارد، يكاد يحطم أعصابي. سرتُ بالسيارة إلى الأمام قليلا ثم شعرتُ بالحرج فتوقفتُ.
أكوام محترقة من القمامة تسد الطرق الزراعية برائحة نفاذة مؤذية.
هبطتْ فجأة من الأفق، من وراء الشمس مباشرة، فرقة من 3 أطفال برؤوس حليقة وأقدام حافية تجر جروا بديع الجمال. اللون الأزرق في عيني الحيوان الصغير، زخات الاستعطاف في نظراته لا تمس قلوبهم. يسحبونه بحبل مصنوع من الألياف الصناعية الشائكة. لا أحد من المارة يستوقفه ما يحدث، كأنه العادي والمتوقع.
رقة عنق الجرو لا يضاهيها إلا غلظة الحبل الملتف حوله.
كلما توقف، تباطأت خطواته، أو قدّم قربانا في معبد فخم يدعى الأمل، ركلوه في أمعاءه الخاوية ليطلق سلسلة جديدة من الأنين المكتوم النحيل.
- الرحمة.. حرام عليكم!
صرختُ فيهم.
انتبهوا، مندهشين، للرجل الوحيد في العالم الذي اهتم بما يفعلون. صمتوا طويلا ثم حاصروني بعيون تحمل شيئا غامضا كأنه الوعيد. تحولت النظرات إلى فاصل من الضحك المفاجىء، كأنهم اكتشفوا دون مقدمات أنني كائن تافه لا يستحق أن يأخذوه بجدية.
ركضت، أنا الأربعيني الذي أصبح يقال له "يا حاج" احتراما لخصلاته البيضاء، مثل فهد مستثار نحوهم.
لم يقاوموا.
تراجعوا جميعا.
انسحاب تكتيكي أم خدعة متفق عليها؟
قلبي لا يحدس خيرا.
انحنيت على الكائن اللطيف أنظفه بمناديل معطرة أخذتها من السيارة. أطلق أحد الصغار صافرة مميزة بوضع سبابته داخل فمه على طريقة الأشقياء. استغربتُ قوة الصافرة التي لا تتناسب مع ضآلة جسد صاحبها.
في لمح البصر ودهشة الروح وفظاظة المفاجأة، وجدت الجرو يتضخم بين ذراعيّ. ابن الأسابيع المستضعف إزداد حجما وثقُل وزنه وأصبح كلبا بالغا لا يزن أقل من 40 كيلو جرام مع ارتفاع يقارب 70 سم. واحد من فصيلة معروفة بالمرح والذكاء والرشاقة .
خبأتُ صدمة عمري في الغيوم، التي تتراكم الآن على ارتفاع منخفض، وأنا أرى الكلب المفترض أنه آية في الذكاء والجمال والمرح يعلن ولاءه لمن كانوا يقيمون حفلة تعذيب على شرفه منذ قليل. يقعى أمامهم وهو يلهث في انتظار أن يباركه أسياده. انحنى أحدهم على أذنه يهمس بشىء غير مريح.
يركض الكلب في نفس الاتجاه الذي سارت فيه حبيبتي منذ قليل. لا أحد هناك غيرها. ركضتُ وراءه. كاد قلبي أن يتوقف رعبا حين سمعت صوت نباح الكلب وهو في ذروة العدوان، اشتباك سريع ثم صدى ارتطام شىء بالأرض.
وقفتُ وأنا ألهث أمام ماريا وهى تستقبل القِبلة وتدعو لأبي الذي يرقد تحت التراب في يومه الأول بعد تغيير مقر إقامته.
أين ذهب الكلب؟
سألتها بلهفة، فنظرت لي بقلق حقيقي. اصطحبتني من يدي كأني صغير يهذي.
- هل تقصد هذا الكلب الهاسكي؟
وأشارت إلى كلب آمن مطمئن يتشمم الطريق بلذة بالغة، فيما يصطحبه 3 شبان جامعيين بدوا شديدي الأناقة ويخلو محياهم من أي أثر للعنف أو الوعيد.
**********************************************************************
[1] كاتب مصري كبير، له عدد من الروايات والمؤلفات التي تنوعت بين القصص القصيرة، والرواية الطويلة، والنصوص المسرحية، ومنها:
كوميديا الإنسجام (مجموعة قصصية): صدرت عام 1999 عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة.
ثلاث مخبرين وعاشق (مجموعة قصصية): صدرت عام 2001 عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة.
الفضيحة الإيطالية (رواية): صدرت عام 2005 عن دار نفرو بالقاهرة.
عشيقات الطفولة (رواية): صدرت عام 2013 عن دار بيت الياسمين للنشر والتوزيع بالقاهرة.
الزائر (رواية): صدرت عام 2016 عن دار سما للنشر والتوزيع بالقاهرة.
عشيقة جدى (مجموعة قصصية): صدرت عام 2017 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة.
أشباح بروكسل (رواية): صدرت عام 2019 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة.
حانة الست «رواية» صدرت 2021 عن دار المثقف بالقاهرة في طبعتين ثم صدرت الطبعة الثالثة عن دار أقلام عربية-
ورواية "مهنة سرية" صدرت عام 2025م.