كأن الزمن تجمد حولي، فبقيتُ ممددًا في حالة انتظار كمن يُختبر صبره. كل شيء كان ساكناً، فقط اللون الأزرق يحيط بي. لم يكن هناك شمس أو ليل، ولا شعاع يقطع هذا السكون الطويل. بالكاد أستطيع جذب الهواء الثقيل، الذي بدا أثقل من أنفاسي، نعم أنفاسي، أنا أتنفس، ولكن ما الذي أتنفسه الآن؟
كنت أتنفس ذكرياتي القديمة، وأشعر بثقلها الجاثم على أفكاري. حاولت أن أتحرك، أو أتحرر من شيء ما، لكن جسدي بدا مشلولًا، عالقًا في شرنقة بين عالمين. كنت واعيًا، وفي داخلي شيء يهذي، يصرخ بأسئلة لم أجد لها إجابات.
تساءلت، هل أنا ميت؟ أم هذه مجرد لحظة ما بين الموت والحياة؟ شعرت أن الصمت الذي يحيط بي يحمل في طياته شيئًا أعظم.
ثم، فجأة، اخترق السكون صوت لا يُحتمل:
- من ربك؟
تجمدت للحظة. كنت أعرف الإجابة، فهي محفورة في أعماقي منذ طفولتي:
- الله ربي سبحانه، ومن سواه؟
رغم يقيني الظاهري، شعرت بشك دفين، كأن شيئًا ما يختبرني. هل كان هذا الإيمان الذي عشت به كافيًا؟ ستون عامًا من الصلاة والعبادة والحب، هل كنت صادقًا تمامًا مع نفسي؟ شعرت بحرارة غريبة في ظهري، كأنها تنفذ إلى أعماقي، تُفتت يقيني لتكشف ما تحته. عندها جاء السؤال الثاني، وكان أشد ثقلًا:
- ما دينك؟
ترددت لوهلة. استحضرت حياتي، ورأيتها تتدفق أمامي كأنها شريط يسرد لحظاتها الحاسمة. تذكرت صلاتي العجولة، صيامي مع الناس، وتلك المرات التي كنت أخشى فيها أن أضيع. تذكرت لحظات ضعفي وانزلاقي نحو رغباتي، وتذكرت أيضًا شكوكي التي نمت كأشجار سدر عملاقة في رأسي.
في شبابي، تنقلت بين أفكار عديدة. عشت شيوعيا أبحث عن العدالة، من شدة الفقر والحاجة التي طالما حلمنا بها ولم نجدها. ثم ليبرالياً أفتش عن الحرية التي ظننت أنها ستمنحني حياة بلا قيود. أنتقل بين الأفكار والانتماءات كعصفور يبحث عن غصن ثابت بين الشك واليقين. أبحث عن الحقيقة، لكنني كنت متأكدًا من شيء واحد فقط، هو أنني كنت أهرب إلى شيء لم أجده.
فجأة، أحسست بالحرارة تزداد على ظهري، وتزيد أوجاعي معها، هل أنا أحلم؟ ما من إجابة واضحة، راجعتُ حياتي كلها في لحظات: الكبائر والصغائر.
- هل أشركت بالله؟ على الأقل الرياء.
- هل زنيت؟ لا، لم أسقط في مستنقعه القذر، مع أني عشت بين النظرات التي يُقال عنها "الأولى لك والثانية عليك"، ولم أكن أكتفي بالأولى. أما الصغائر، فقد كانت كثيرة. كثيرة يا الله ، كثيرة بما يكفي لتثقل صدري الآن وترهبني.
عاد الصمت من جديد، وهدأت الحرارة التي كادت تذيبني ببطء، ثم شعرت أن كل شيء اختفى، الصوت، الأسئلة، الصمت، وكأن الفراغ ابتلع كل شيء، وأنا مازلت عالقًا في فجوة، كأنها بين الحياة والموت. تذكرت وجه أمي وهي تدعو لي صغيراً، ودموعها التي تطهرني من رجس عنادي. وتذكرت صوت زوجتي، تلك التي كانت صلاتها مطمئنة كأنها باب مفتوح للسماء.
هل كنت نائماً؟ فتحت عيني ببطء. مازالت الستائر الزرقاء ذاتها تحيط بي، والضوء الخافت يتسلل من جهاز معلق في السقف. حاولت أن أتحرك، رغم ثقل الأجهزة الذي كان يأسر جسدي.
اقترب مني صوت واقعي هذه المرة:
- هل تشعر بتحسن؟
كان الطبيب المُعالج يقف عند رأسي، يبتسم بلطف. حاولت أن أتكلم، لكن الكلمات تأخرت.
- أين أنا؟
اكتفى بضحكة مندهشا.
- لقد انتهت الجلسة. يمكنك النهوض الآن.
سألني الطبيب بفضول:
- ما بك، هل أخافك هذا المكان؟
نظرت إليه للحظات، ثم إلى الستائر الزرقاء التي أحاطتني. أجبت بصوت خافت:
- ليس خوفًا... بل شيء أكبر من ذلك. شعرت وكأنني كنت في مكان عالق بين الحياة والموت.
- الموت؟ قال بدهشة.
- نعم. في تلك المساحة الضيقة، واجهت أسئلة كنت أهرب منها طوال حياتي.
ابتسم الطبيب ولم يعلّق. حررني من الأجهزة. نهضت، وقفت في مكاني للحظة، أنظر إلى المكان من حولي. الستائر الزرقاء، الأجهزة، السرير...
خرجت من مركز العلاج الطبيعي، أشعر بخفة غريبة وكأنني وُلدت من جديد.
**************************************************************************
[1]ريما آل كلزلي من المملكة العربية السعودية، هي كاتبة، شاعرة، وروائية بارزة، تُعد من القامات الإبداعية المعروفة. صدر لها 4 روايات، منها "ألوان الظلام" و"شبابيك-حياة مسروقة"، ومجموعتان شعريتان ("حفل الطوفان"، "على حافة اليقين")، وتتميز كتاباتها بالعمق السردي والتنوع الأدبي.