ومن أجمل تلك الصور البريئة التي لا تزال حلاوتها وسذاجتها تغمران روحه، ويستحضر ذكراها في كل المواسم الرمضانية من حياته، صورةٌ ارتسمت في وجدان طفل صغير لم يتجاوز السادسة من عمره. وقد يرى قارئ هذه السطور في هذه الذكريات انعكاسًا لأيامه البريئة في مواسم رمضان، إذ إننا جميعًا عشنا لحظات مشابهة، مفعمة بالدهشة والتجارب الطفولية في هذا الشهر الكريم.
كان ذلك الطفل الصغير يُلحّ على أمّه أن توقظه وقت السَّحَر، بعد أن سمع من زملائه في مدرسة القرية أن الصائمين يستيقظون قبيل الفجر ليتناولوا بعض الطعام الذي يعينهم على إتمام الصيام. فأصرّ هو أيضًا على أن يصوم في هذا الشهر، شأنه شأن شقيقته الكبرى التي اعتادت الصيام منذ عامين، وكانت تتباهى بذلك أمام الأطفال، وتعدّه إنجازًا عظيمًا تتفاخر به في عالمها الطفولي.
نعم، صومه الأول… كان حدثًا استثنائيًا في عالمه الصغير. فقد أخذ أهل الدار قسطًا من النوم بعد أداء صلاة الفجر وقراءة ما تيسّر من القرآن، أما هو فلم يغمض له جفن، إذ كان ينتظر بلهفة إشراقة الصباح ليخبر زملاءه بأنه صائم، وكان يتخيّل أن الجميع يرونه بطلًا حقيقيًا.
راح يطلّ من النوافذ مترقبًا خيوط الشمس الأولى وهي تتسلل إلى حقول الأرز. وما إن أشرق الصباح حتى أسرع إلى بيت جدته المجاور ليبشرها بأنه أصبح قويًا قادرًا على تحمّل مشقة الصيام، وأنه يصوم كما يصوم الكبار في البيت. بل لم يَخْلُ الأمر من شيء من الزهو الطفولي، حين سخر من ابن عمّه، زميله في الصف، لأنه — في نظره — لم يبلغ بعدُ من القوة ما يؤهله للصيام في نهار رمضان.
ثم عاد ينتظر بشغف تلك اللحظة التي اعتاد فيها والده الاتصال بالعائلة؛ إذ كان يعمل في إحدى الشركات الدولية خارج البلاد، ويتواصل معهم عادة قبيل العصر. كم كان مشتاقًا ليخبره بصومه الأول! ظلّ يلحّ على أمه قائلًا: "ماما، متى يتصل أبي؟" فأجابته مبتسمة: "الآن الساعة الثامنة صباحًا يا بني، سيتصل بنا أبوك وقت العصر، وسنخبره أنك أصبحت فتىً كبيرًا، قويًّا، تتحمّل مشقة الصيام في نهار رمضان."
لم يتمالك الطفل الصغير فرحته؛ فأخذ يركض هنا وهناك، يُخبر كلَّ من يلقاه بأنه صائم، وأنه صار كبيرًا مثل أخته. ورغم أنه بدأ يشعر بالجوع والعطش، فإنه حاول أن يصرف انتباهه إلى أفكارٍ تبعده عنهما، خوفًا من أن يتذكّر صيامه فيغلبه الجوع. كان يردّد في داخله: أنا صائم، ولا يليق بأمثالي أن يفطروا قبل أوانهم.
وبينما هو كذلك، خطرت له فكرة أن يُخبر عمّته التي تسكن على بُعد نحو مائتي متر إلى يسار البيت. فانطلق مسرعًا نحو منزلها، وأخبرها بحماسة أنه صائم. لكن العمّة كانت منشغلة ببعض شؤونها العائلية، فلم تُعِرْ كلامه اهتمامًا، وكعادتها قدّمت له بعض المأكولات والحلويات.
يا لها من حلويات! انفلتت مشاعر الجوع من عقالها، فمدّ يده وأكل، ناسيًا أنه صائم، حتى فرغ من كل ما في الطبق. كان في أولى تجاربه مع الصيام، وكأن معدته تتشبث بالطعام وتنجذب إليه بلا مقاومة. ثم انشغل باللعب مع أطفال العمّة.
وبعد نحو ساعة، سمع صوت جدّه يناديه من الخارج: "تعال يا صائمي الكبير!" التفتت العمّة نحو الجد، حيّته وسلّمت عليه، ثم قالت متعجبة: "من الصائم يا أبي؟" فأجاب مبتسمًا: "هو، ولدنا الشاطر… لقد استيقظ للسَّحَر اليوم، وهذا أول يوم يصوم فيه." عندها ابتسمت العمّة ضاحكة، وقالت: "لكنه أكل من حلوياتي قبل قليل!"
أدرك الصبي أن صومه قد بطل؛ لأنه أكل كميات كبيرة من الحلوى. لم يفعل ذلك عمدًا، بل تحت وطأة الجوع والعطش اللذين أنسياه صيامه، فضلًا عن أن هذه كانت تجربته الأولى في حياته الطفولية. لم يكن يستحضر دائمًا أنه صائم. انهمرت دموعه بغزارة، لا خوفًا من سخرية أهل البيت، بل حزنًا على ضياع صومه الأول الذي طالما حلم به. كان قد جعله سرًا جميلًا ليبوح به لوالده عند اتصاله عصرًا.
أخذ يبكي، ودموع الحزن تنساب على خديه الصغيرين، يردد: "آه… صومي… صومي…" واشتدّ نحيبه. حاول أن يفرّ من واقعه الأليم، يبحث عن مخرج من الحزن الذي أثقل قلبه. حاول الجد أن يواسيه، لكن محاولاته لم تُجدِ نفعًا، ولم يستطع جبر خاطره أو تخفيف وجعه. بدا وكأن كل شيء قد توقف عند تلك اللحظة التي نسي فيها صيامه، وتمنى لو يعود الزمن إلى الوراء لحظةً ليتذكّر ويترك تلك الحلوى التي قدمتها له عمته.
وأخيرًا قال الجد: إن الأكل نسيانًا لا يُفطر الصائم. رفع الطفل رأسه، وحدّق في وجه جدّه بعينين لامعتين، كأنه يلتمس تأكيدًا. قال الجد بثقة: نعم، النسيان لا يُفطر الصوم مهما أكل الصائم. التفت الصبي إلى عمّته التي كانت تبتسم، فأومأت برأسها مؤكدة: "نعم، شيخ القرية كان يقول، فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم: رُفع عن أمتي النسيان… فإذا أكل الصائم ناسيًا فلا يفطر."
نظر الطفل إلى الجميع، وكلهم يؤكدون أن النسيان لا يُفطر الصوم. ارتسمت على وجهه الصغير ابتسامة مشرقة، كأنها شمس أشرقت بعد عاصفة؛ ابتسامة انتصار على الحزن، وعودة إلى فرحة صومه الأول.
تنهد قائلًا: "آه… إذن صومي لم يفسد، وأنا ما زلت صائمًا… أليس كذلك؟" فأجابوه: "نعم، نعم." فانطلق فرحًا، يركض مسرورًا لأنه أكل ناسيًا. وقبل أن يعود إلى البيت، استحلف جدّه ألا يخبر أحدًا بما حدث، فوافقه على الكتمان، وعادا معًا. وعندما اتصل والده عصرًا، أخبره بفخر أنه صائم، وعلى وشك إتمام يومه الأول.
نعم، أفطر الطفل مع أول تكبيرة لأذان المغرب من مسجد القرية، وامتلأ قلبه بفرحٍ غامر؛ إذ أتمّ صومه الأول. وتباهى أمام الجميع بأنه أصبح قويًا، قادرًا على الصيام مثل أخته الكبرى، التي لم تعد تسخر من ضعفه. وكأن ما حدث في النهار قد تلاشى، وبقي شعور الفخر والاعتزاز يملأ قلبه ويظهر على ملامحه.
وبعد صلاة العشاء، اقترب منه الجد وهمس في أذنه مبتسمًا:
"غدًا أيضًا… دَعْ شاطري ينسى، ويتمّ صومه بسَحَرين!"
[1] رئيس قسم اللغة العربية وآدابها، حرم الوافي الجامعي، كيرالا/ الهند)