---------------------------------------------
كان الأستاذ عبد الرحمان يسكن مع زوجته وولدَيهما في شقة أنيقة بالطابق الثاني من عمارة شاهقة في مجمع سكني خاص بأساتذة الجامعة في جنوب دلهي، تُطلّ شرفتاها على مساحة خضراء واسعة تفصلها عن صخب المدينة. كانت الزوجة عاشقة للبستنة، ترى في الزهور حياةً موازية للحياة، وفي نموّها عزاءً عن جفاف العالم البشري من حولها. ملأت الشرفتين بأصص النباتات المتنوعة، تزهر في كل موسم وتعبق بعطرها المكان، لكن قلبها كان يحنّ إلى الأرض، إلى ذلك الامتداد الطبيعي الذي يسمح للجذور بأن تغوص وتتنفّس. كانت تقول للأستاذ:
ـ "الأصيص مثل القفص يا عزيزي، مهما زُيّن بالألوان، يبقى ضيقًا على حلم الشجرة."
ذات مرةوقبل حوالي ثمانيسنوات في مطلع شهر نوفمبر، وهما في زيارة لكاشمير، توقفا قرب مزارع الزعفران في سوبور بكشمير، حيث تترامى الحقول البنفسجية تحت شمس باردة كأنها قطعة من حلم. طلبت الزوجة من أحد المزارعين نبتة زعفران صغيرة لتزرعها في بيتها، فابتسم الرجل وقال:
ـ"احملي معك قليلًا من طين هذه الأرض، فالزعفران لا ينبت إلا في تربته، هو ابن هذه الجبال، ويموت إن اغترب.”
أطاعته، وجمعت بعضًا من الطين في كيس، ثم عادت به إلى دلهي. وفي مساء اليوم ذاته، غرسَت النبتة في أصيصٍ صغير واحتضنته بيديها كما تحتضن الأمّ وليدها. سقاها الأستاذ الماء، ثم ابتسم ساخرًا:
ـ “لا أظنها ستعيش هنا، هذه بيئة أخرى.”
لكنها أجابت بيقينٍ لا يخالطه شك:
ـ "ستزهر، انتظر فقط اليوم الثاني والعشرين.”
وفي اليوم الموعود، أزهرت النبتة فعلًا، وخرجت منها خيوط الزعفران الحمراء الزاهية. وقفت الزوجة أمامها مبهورة، كأنها تشهد معجزة صغيرة تولد بين يديها. التقطت لها صورًا، واحتفظت بها ذكرى لعناد الأمل أمام استحالة الواقع. كانت تلك التجربة، كما يقول الأستاذ، درسًا في الإيمان الصامت: "من أحبّ شيئًا بصدقٍ أعانه الله على إخراجه من العدم."
تحت العمارة، في الطابق الأرضي المخصص لإيقاف السيارات، كانت هناك قطع أرض صغيرة في الزوايا الأربع للعمارة وقد تُركت مهملة، وتحوّلت مع الزمن إلى موئلٍ للأعشاب البرّية. ذات صباح، قالت الزوجة للأستاذ وهي تنظر إلى المساحة الأرضية الصغيرة جدا تحت شرفتها في الطابق الثاني:
ـ "لماذا لا نحيا جزءًا من الحلم هنا؟ نستطيع أن نحيل هذه المساحة إلى حديقة صغيرة"
وافقها، وإن لم يشاركها الحماسة نفسها. أنفقا من مالهما ما يكفي لتسييج المكان، وبدآ العمل فيه بأيديهما. زرعا السبانخ والقرنبيط والكزبرة، وفي وسط البقعة الصغيرة غرسا شجرة بابايا، كانت كطفلٍ مدلّل بين الخضراوات، تحتاج إلى عناية خاصة وماءٍ دائم.
واجهتهما مشكلة غريبة: غزلان النيلجاي التي تتسلل ليلاً وتعبث بالمزروعات. لكن الشجرة الصغيرة نجت بأعجوبة، حتى أثمرت أول ثمرة بابايا بعد شهورٍ من الصبر والانتظار. كانت ثمرة وحيدة، خضراء في البداية، كأنها وعدٌ مؤجل. ومع حلول فبراير، بدأ لونها يميل إلى الصفرة، علامة على النضج. صار الأستاذ والزوجة يتناوبان النظر إليها من الشرفة، وحين يخرجان للنزهة في الصباح والمساء، يراقبان تحوّلها البطيء كأنهما يريان فيه تحوّل العمر ذاته.
قال الأستاذ مبتسمًا:
ـ "انظري، لو عرضناها في السوق، لما تجاوز ثمنها عشرين روبية."
فأجابته:
ـ "لكنها بالنسبة إليّ أثمن من بساتين البابايا كلها".
كانت الأسواق تموج بثمار بابايا ناضجة جميلة، تُباع بستين روبية للكيلوغرام، لكنها لم تكن تساوي عندهما شيئًا أمام تلك الثمرة الصغيرة التي شهدت عرقهما وانتظارهما وأحلامهما.
وذات يومٍ، حين كان الأستاذ يمرّ بجانب الحديقة الصغيرة، رفع بصره فلم يرَ الثمرة في مكانها. ظنّ أن زوجته قطفتها، فهاتفها يسألها، فأجابته بدهشة:
ـ "لم أفعل! كنت أنتظر أن تنضج تمامًا".
حينها أدرك كلاهما أن أحدهم سبقهما إليها. جلس الأستاذ صامتًا طويلًا، كأن شيئًا في داخله انكسر. شعر أن أحدهم سرق ثمرة قلبه لا ثمرة شجرته.
في المساء، قالت الزوجة وهي تحاول التخفيف عنه:
ـ "هي ثمرة واحدة يا عزيزي، دعها تذهب."
لكنّه ردّ بهدوء عميق:
ـ "الخسارة ليست في الثمرة، بل في ما تمثله… لقد سُرقت منّا لحظة فرحنا البسيطة."
جلس في شرفته تلك الليلة، يحدّق في الظلام، وراح يفكر في معنى ما حدث. كم هي غريبة هذه الحياة! يستطيع أن يشتري مئات الثمار من السوق، لكنه لا يستطيع أن يشتري تلك التي نمت بيده، التي تابع نموها يوماً بعد يوم. تذكّر قول الحكماء: ليس الثمن في الشيء، بل في التعلّق به.
وأدرك فجأة أن تعلق الإنسان بالماديات هو أصل كل حزن، وأن الدنيا بما فيها من زينة ليست سوى متاعٍ زائل. قال في نفسه:
"لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سُقي منها كافر شربة ماء. ومع ذلك نتقاتل من أجل جناح البعوضة".
في اليوم التالي، حين نزل إلى الحديقة، رأى هناك ثمرة جديدة صغيرة للبابايا في بدايتها. وقف أمامها طويلاً، وتأملها في صمت. خطر بباله أن يتركها بلا سقي، أن يوقف هذا التعلق الذي جلب له الألم، لكنه تراجع. أمسك خرطوم الماء، وسقاها برفق، كما لو كان يسقي قلبه.
عاد إلى زوجته وقال مبتسمًا:
ـ "ظهرت ثمرة جديدة".
نظرت إليه بعينين تبرقان بالأمل وقالت:
ـ "سنعتني بها، لكن من غير خوف هذه المرة."
ضحك وقال:
ـ "وربما لا نقطفها أبدًا."
أجابته:
ـ "كأننا نسقي الأمل لا الشجرة".
في تلك الليلة، جلس الأستاذ يكتب ملاحظاته في دفترٍ صغير ، كتب فيه:
"البابايا ليست شجرة فحسب، بل مرآة لرحلتنا في هذه الحياة. نزرع، نرعى، ننتظر، نفرح، ثم نفقد. ثم نعود فنسقي من جديد. لأن الإنسان لا يعيش بالثمار التي يأكلها، بل بالأمل الذي يزرعه في قلبه."
أغلق الدفتر، ونظر إلى الشرفة حيث كانت نبتة الزعفران مزهرة قبل ست سنوات. تذكّر قول المزارع الكشميري "لا تنبت الزهرة إلا في طينها."وفكر في نفسه قائلًا:
ـ "ربما نحن أيضًا لا نثمر إلا حين نغرس جذورنا في أرض الإيمان."
وفي الصباح التالي، كانت الزوجة تسقي نباتات الزهور بهدوءٍ، فيما كان الأستاذ يراقبها في صمتٍ. كانت الشمس تتسلل من بين أغصان الشجار تضيء أوراق البابايا تحت العمارة. شعر أن في المشهد درسًا جديدًا، أن الجمال لا يقاس بحجم الثمر، بل بصدق اليد التي سقت، وبالنية التي رعت.
ابتسم وقال في سره:
"لقد منحتنا هذه شجرة البابايا درسًا أغلى من ثمرها. إنها دعوة لأن نحب الأشياء لوجهها الخالص، لا لعائدها. فالحياة الدنيا، مهما تزينت، ليست إلا متاع الغرور".
ثم مضى، وقد زال عن قلبه الغضب، وبقي فيه نور الرضا، كزرعةٍ نبتت في أرضٍ طيبة، لا تثمر إلا السكينة.
**************************************************
[1] أستاذ في مركز الدراسات العربية والأفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند