تهالك على السرير الحديدي ، فغاص في غلالة شاحبة منبعثة من السهّارة ... فارق ذهنه الغرفة ، مخلفا جسدا هامدا، تجمّعت كل حياة في أصابعه السمراء، التي تحاصر لفافة تبغ رخيصة كلها أعواد ، يسحب منها أنفاسها ينفها سعالا ...
النار تقاوم " أعواد التبغ "...الذهن يعيد تفاصيل اللّقاء الإذاعي مع " صديقه " الصحفي ... لقد كلّفه هذا اللقاء عشاءا كاملا ، وعدّة قوارير من الجعة . ورغم أن العشاء لم يكن فاخرا، فقد استدان "محمود عيسى" ليدعو صديقه ، إلى مطعم متواضع ، وسط العاصمة وانزوى به في ركن هادئ ليسمعه قصائده الجديدة ، ولا يزال إلى الآن ينتظر ثمن القصيدة، التي نشرها في إحدى الجرائد الأسبوعية ليسدد دينه.
النار تتثاءب وتتمطّى فوق "أعواد التبغ"... الأصابع تتحرك من حين إلى حين ، لتنفض رمادا لا يقع في المنفضة .. الذهن يغرق في تفاصيل اللقاء، ويتلذذ به كرغيف اخرج لتّوه من التنور ... فجأة إنتصب واقفا، امتص بشراهة، نفسا جديدا من لفافته فخرج من بين شفتيه خيط دخان يرقص زهوا:
-" لقد كنت نجما متألقا، هذه الليلة، في سماء الإذاعة، غصبا عن كل "الأصدقاء "... ليت هندا سمعت صوتي هذا المساء... وليتني استطعت أن أخبر ليلى، وسعاد وبثينة... ولكنه كان لقاء مباشرا، ولم أكن متأكدا من إجرائه حتى آخر لحظة".
إغتبط، وزهت تجاعيد جبينه، المحزونة دائما، اهتزت شفتاه الزرقاوان وانفرجت عن أسنان صفراء.
"أعواد التبغ" تنطفئ .. يشعلها من جديد ، الرماد يقع مرّة على الأرض ومرة في صحن به آثار طعام البارحة أو قبل البارحة أو قبل شهر... إذ يحدث "لمحمود عيسى " أن يغيب عن غرفته، التي يستأجرها مع صديق له ، مدة قد تطول أو تقصر....
لم يجد عناء كبيرا في البحث عن الرسالة . لقد كانت مطوية في جيب سترته... فتحها ثانية وغاص في غلالة السهّارة ... بين يديه الخشنتين ورقة، ناعمة ، شفافة زهرية ، حيّر عطرها ذاكرته؟ ... هل يعرف هذا العطر ؟ ... هل شمّه سابقا ؟ ... توغل في الورقة الشفافة كمسافر يدخل مدينة جديدة، مأخوذا بلّذة الاكتشاف... يهيم ببناياتها، ثم يختار أجمل بيوتها: فيلا ذات باب خشبيّ، من الأبنوس، في حديقتها الخلفية ، أرائك سعفية ، منتشرة بين خمائل الورود ، وهند تحتّل أقصاها مسترخية، تترشف شايا بالنعناع، وتقرأ شعره، تجمع الياسمين وتقرأ شعره... والشمس، قبل أن ترحل، مالت على خدّها تقبلها، وتترك حمرتها مرسومة على بشرتها، البرنزية ... وحيّره ذلك اللون حيّره ! ولم يجد له وصفا ... حيّره لون شعرها أيضا ، وعنوانها !... ورسائلها المختصرة جدا .... التي لا تتحدث فيها إلا عن حبّها للبحر والشمس والشعر....
الفكر حائر ... والنار تقاوم "أعواد التبغ."... تنطفئ فيشعلها من جديد ، عيناه تلتقيان بأكوام الليل، تتهاوى على النافذة الصغيرة، المجردة من كل ستارة... تتوغلان في العتمة ... وجه مستدير تحف به جدائل سوداء.. هند قمر عال ، عال ... ودخان سيجارته يعلو، ثم يتبدد ....
ترى هل تتزوجني هند ؟... هند جريئة ستقف في وجه أبيها القويّ وتقول له:
انطفأت " أعواد التبغ" بين أصابعه، بعدما وقع رمادها على حافة سترته ، ثم تدحرج على الحشيّة..
... "آه لو تتزوجني هند ... سأغرقها شعرا ... سأملأ بيتها الكبير قصائد ... ولكن أباها هل يقرأ الشعر ؟ ... هل يقدر الشعراء ؟ .... أ م تراه عدوّ الشعر ؟ ...." .
أشعل سيجارة من جديد :
أما " الأصدقاء " فلن أجلس معهم في المقهى أبدا، سأمر أمامهم ، مع امرأتي الجميلة، الأنيقة هند، دون أن أكلمهم .. هند هي كل شيء في حياتي الآن ... فلتذهب المعجبات الأخريات إلى الجحيم!... لن أسترضي ليلى أو دعد ولن أتوسل سعاد بعد الآن ... لست أدري لماذا أحببتهن ؟ إنهن عاديات جدا ، بل تافهات ، كما أني لا أفهم سبب غرورهن؟... سأنتقم من سعاد وأنسيها تلك التسلية اللعينة، بضرب المواعيد الباطلة... كم انتظرتها في البرد، تحت المطر وعلى الأرصفة ... حتى اعتلج البرق من دماغي ... سأجعلك تنتظرين يا سعاد ! العمر كله ...".
توترت أصابعه فأوقد " أعواد التبغ " من جديد ، سحب نفسا منهكا وعلّق .
آه تضرمين الشوق
وتحتمين بالبعد
لقد فاض صبري
فلا بدّ أن يهتدي إليك ليلي . ..
عاد إلى رسائلها يقلّبها ... يعيد قراءتها ...يؤولها.. . لعله يجد عنوانها! ... فجأة هبّ واقفا، إنتبه مأخوذا نحو النافذة كمن ناداه هاتف ! رجع نحو السرير، إستدار نصف دائرة ، داس برجله عقب سيجارته على أرض الغرفة : " لقد وجدتها ! ... سأنشر قصيدا أحمّله رسالة إليها: إلى عاشقة البحر و الشمس والشعر....".
مرّ أسبوع أو أكثر، تلقى فيه "محمود عيسى " رسائل كثيرة ... لكن رسالة هند لم تصل ... وأتعبه عناده ... لماذا هند بالذّات ؟ ... وأحرق من أجل ذلك أكواما من " أعواد التبغ"... حدسه يقول له : أن هندا تختلف عن كل الأخريات ، وأن شأنا كبيرا ينتظره معها. ..
وفي يوم ذهب فيه إلى الجريدة ليسلّم قصيدا جديدا ، وجد رسالتها ، فضّها بتوتر، إستحى وندم لما فلتت منه صرخة أمام المحررين : " لقد ضربت لي موعدا ! ....".
ضربت له هند موعدا وجعلت علامتها إليه ديوان شعره ، الذي سيكون مفتوحا بين يديها في مقهى – أفريكا – في الرابعة والنصف من مساء الرابع عشر من أكتوبر.
تهيّأ للموعد بفرح وتوتر وخوف... وعندما اقترب من المقهى ارتبكت خطاه.... ارتفعت يده لتفك ربطة عنقه أراد أن يرجع أن يركض أن ينسحب ولكنه صار أمام المقهى تمنى أن لا تأتي ليبقى "الحلم " أو أن تتأخر على الأقل ليستطيع أن يعدل ربطة عنقه... كان يبحث بعينيه في كامل أرجاء المقهى.... عندما أخليت أمامه طاولة ارتمى على أحد مقاعدها واحتلها... سوّى شعره، عدّل كتفي سترته وغاص داخلها، احتمى بها من خوفه ، قفل أزرارها فضمت جنبيه أكثر، أحس بالأمان كأنما يقفل باب غرفته على نفسه. ألقى نظرة أخيرة على سترته : إنها أحدث ما عنده، بل هي الحداثة نفسها. عندما اشتراها وقف أمام المرآة ونظر إليها بعين إحدى معجباته... وهي الآن من نصيب هند ...إن هند لمحظوظة به ... غاصت عيناه في نسيج السترة المخمليّ فأحس بالهدوء نوعا ما ، أشعل سيجارة سحب منها أنفاسا متتالية ثم داسها بسرعة :
"تستطيع أن تأتي هند الآن ".
لقد تأخرت ، لكنه سينتظرها كامل اليوم ، لن يفرط في حلمه بسهولة ... خفّ الزحام في المقهى، فلمح امرأة منزوية تقرأ كتابا، خفق قلبه : " لا بد أنها هند... " عدّل أنفاسه، تنحنح ثم سار إليها، فوجد أن التي بين يديها ديوان شعره : فتاة في مقتبل العمر، شعرها أسود، لكنه قصير جدا، قمحية اللون، تميل إلى شحوب ، ترتدي بنطلون جينز، فوقه كنزة خفيفة بيضاء.
أغلقت هند الديوان الذى كان مفتوحا بين يديها وجعلت تقرأ شاعرها وتستجلي شخصيته ... ،تحدثه عن نفسه وتزيح برقة حجب بواطنه ، تثير مواطن وتدغدغ أخرى، تكرر إعجابها به و بشهرته وهو يستمع إليها ويستلذ حديثها ، يطلب المزيد ، ويدمنها ... كأنما فقد نفسه فجأة وصار يبحث عنها عندها . وأصبح شاعرنا لا يستطيع الاستغناء عن هند . كإنسان تعوّد أن يصحو دائما على صورة وجهه في المرآة..
كانت هند تريد أن تعرف كل شيء عن "محمود عيسى" أين يكتب ؟ .. كيف يعيش ؟ ... وقد طلبت منه مرارا أن يأخذها إلى بيته مصدر وحيه وإلهامه... لتتعرف على العالم الجديد الذي أسّسه والجنة التي يهرب إليها من جحيم الآخرين والفردوس المفقود الذي استعاده والحلم الضائع الذي وجده واللذة الهاربة التي قبض عليها ...
" خذني إلى بيتك، إلى ركنك الدافئ الذي يزخر بالينابيع ....حيث الأثاث الأسطوري... والكائنات الغريبة ، إلى حديقتك الخرافية ، الى شجرة الزيزفون ؟ إني لم ار قط في حياتي شجرة زيزفون ، أريد أن أذهب إلى البيت الذي اعتلى أمامك حجرا حجرا ومازال يكبر..
أريدك أن تأخذني إلى القارات الألّذ ذات الأراضي السماوية ، إلى المدن الغربية، إلى الجزر القصيّة حيث تلوح أجنحة الأحلام، إلى النجوم الواعدة ، إلى نجمة السعد إلى البحار السبعة...
أريد أن أدخل عالمك الغرائبي حيث الدهشة ، والانبهار...".
واقتحمت هند في يوم من الأيام عليه بيته ومن يومها اختفت ... إلى أن كان اليوم الذي تلقى فيه محمود عيسى رسالة منها تقول فيها:
"صديقي الشاعر،
لقد راعني أن يجمع الفقر بيننا !
صحيح أنك أغرقتني شعرا و لكنه ليس كل شئ ...
لقد عشت طوال عمري، في عائلة تتوارث الفقر....
ظننت أن الشعر والشهرة سينقذانني من فقري...
لكن جارنا الجزار إسماعيل كان يملك بيتا مؤثثا و سيّارة ...
وعندما طلبني للزواج !... فكرت ...
أعتقد انك ستقدّر الموقف ! ....
هند
[1] حياة الرايس أديبة وكاتبة تونسية بارزة، عُرفت بتبنّيها قضايا المرأة والدفاع عن حرية التعبير، وقد تنوّعت إسهاماتها بين الرواية والشعر والمسرح والبحث الفلسفي. أسست رابطة الكاتبات التونسيات عام 1994، ولا تزال تشغل موقعًا فاعلًا في المشهد الثقافي، تمتاز أعمالها بجرأة في تناول المسكوت عنه وبطرحٍ يعكس وعيًا نسويًا متقدّمًا، حيث تعالج قضايا المجتمع وتحولات العصر برؤية نقدية عميقة.
ومن أبرز أعمالها الروائية رواية "بغداد وقد انتصف الليل فيها"، التي وثّقت فيها تجربتها في العراق، إلى جانب رواية "أنثى الريح"، كما تُوصَف كتاباتها بأنها منخرطة في قضايا الإنسان والمجتمع، ولا تتحفّظ عن تصنيفها ضمن الأدب النسوي. وإلى جانب إنتاجها الأدبي، اضطلعت بدور ثقافي نشط، إذ ترأست رابطة الكاتبات التونسيات، وأسهمت في تقديم برامج ثقافية تلفزيونية، من بينها برنامج "حوار الحضارات".
أما على الصعيد الأكاديمي، فقد حصلت على بكالوريوس في الفلسفة من جامعة بغداد عام 1981، وهو ما انعكس على عمق معالجتها الفكرية في أعمالها. وتُستضاف الرايس بانتظام في المنابر الثقافية والأدبية، حيث تتناول في حواراتها قضايا السيرة الذاتية والإبداع، وتطرح من خلال نصوصها رؤى جريئة حول موضوعات اجتماعية حساسة.