مجلة قطوف الهند

Qutoof Al-hind Magazine

ISSN: 2583-5130 (Online)

الافتتاحية

Vol No 1, Issue No 1- مجلة قطوف الهند
January 19, 2022
981 


الافتتاحية

لقد كثر الحديث عن دور العلماء الهنود المشرق والنيّر في إثراء اللغة العربية بشتى علومها وفنونها بدءا من القرن العاشر الميلادي إلى يومنا هذا، فقد خلف علماؤها آثارا خالدة في فنون التفسير والحديث والفقه والمعجمية والسيرة والترجمة والتاريخ والحكمة والمنطق وعلوم اللغة العربية من النحو والصرف وإلى غيرها، ولهم مساهمات قيمة في الشعر العربي أيضا، ولا يبالغ المؤرخون حين يصفون هذه الفترة الطويلة في الهند بالعصر الذهبي لعلوم وفنون العربية؛ ولا غرو في ذلك، فقد كانت الهند أحد أهم مراكز الثقافة الإسلامية طيلة هذه القرون الطويلة، وخير ما يدل على ذلك هو المقولة الشهيرة للكاتب الكبير علي الطنطاوي "ولئن كان لنا فردوس في الأندلس فلنا فردوس أكبر في شبه القارة الهندية".

ومن جهة أخرى، سار الأدب العربي منذ انطلاق النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي على درب إحياء القديم واستحداث الجديد مستلهما من الغرب وفاء لمتطلبات مواكبة العصر التي فرضت نفسها على وجود الشعب العربي فرضا لم يترك أمامه خيارا، فإما النهوض بروح جدية وإما الذوبان والانصهار في بوتقة الغرب. فوفد إلى الأدب العربي، من جملة ما وفد من الغرب في العلوم والآداب والفنون والثقافة والفكر والسياسة والاقتصاد، الأصناف الأدبية الحديثة كالقصة القصيرة والرواية والمسرحية وشعر التفعيلة والخاطرة وكلها يدخل في زمرة الأدب الإبداعي الذي يمثل الأدب الأصيل في جميع لغات العالم، واتخذت الأصناف الحديثة ولاسيما القصة والرواية والمسرحية أهميتها القصوى لشدة التصاقها بالمجتمع وتلاحمهما مع الواقع الاجتماعي، وباتت الرواية تعرف بملحمة العصر الحديث، فيما الشعر عرف في السابق بديوان العرب في العصر الجاهلي. وإن الاهتمام الكبير بهذه الأجناس الأدبية الجديدة على المستويين الشعبي والأكاديمي هو ما يميز الظاهرة الأدبية في العالم كله، ومن هنالك تشكل القصة والرواية والمسرحية والشعر الحديث مادة مهمة جدا وعنصرا أساسياً في المقررات الدراسية لأقسام الأدب في كل الجامعات في أنحاء العالم.

بالعودة إلى تراث العلماء الهنود في الأدب العربي، يجب الاعتراف بأن المتأخرين من العلماء الهنود تخلفوا عن ركب الحداثة في الأدب العربي لأسباب كثيرة أهمها الاضطراب السياسي الكبير الذي أصيبت به الساحة السياسية في الهند من جراء استيلاء الإنجليز على الهند واتخاذ العلماء المسلمين في الهند اتجاهاً مناوئا للتعليم الغربي الحديث الذي أبعدهم عن التعليم الجديد وقبول الروافد الغربية الحديثة في الأدب، وتركّز اهتمامهم بشكل أكبر على حفظ التراث، ولذلك جفت ينابيع الإبداع عندهم، فلم تصدر من أقلامهم نماذج في القصة والرواية والمسرحية والشعر، كما جاء الاهتمام بها ضعيفا وهزيلا في المقررات الدراسية في المدارس الدينية والجامعات العصرية التي تحتضن قسما للغة العربية وآدابها، وعلى كثرة المعنيين في الهند بالأدب العربي تعلما وتعليما، لم تصدر من أقلامهم روايات وقصص ومسرحيات، وهم قادرون على أن يأتوا بشيء جديد في كل مجال يقتحمونه سواء في كتابة الرواية والقصة والشعر باللغة الإنجليزية أو في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وغيرها، وهي قصة معروفة لنا جميعاً. وعندنا علماء العربية يمتلكون ناصيتها أفضل من العرب أنفسهم، غير أنهم لا يستطيعون كتابة القصة أو الرواية لأنها لم تكن أبدا محل اهتمامهم.

والتغير سنة الطبيعة، لقد بدأت الظروف تتغير شيئا فشيئا، وبحكم التواصل مع الكتاب العرب، وسهولة الوصول إلى الروايات والقصص العربية على المنصات الرقمية بدأ شبابنا يقبلون على كتابة القصص، والروايات، فهذا الدكتور محسن عتيق خان، رئيس تحرير إحدى المجلات العربية الإلكترونية "أقلام الهند"، يحقق فوزا بعد آخر في مسابقات القصة القصيرة التي تقام في الوطن العربي، مؤخرا فاز بالمرتبة الثانية في إحدى المسابقات الكبرى بقصته "تحت ركام الجثث"، والتي نتشرف بنشرها في هذا العدد، وسبق أن فاز في العام 2019م بالمرتبة  الثالثة في مسابقة عربية دولية، ونشرت مجموعته القصصية في القاهرة، كما نشرت لمحمد شافعي الوافي مجموعة قصصية في القاهرة، وفي مجال الرواية، فاز الباحث حامد رضا، الباحث في مركز الدراسات العربية والأفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، بقصب السبق، إذ نشرت روايته الجميلة "أحلام ضائعة" من دار نشر في القاهرة، وكتب لها الناقد المصري الشهير د. طارق النعمان مقدمة ضافية أشاد فيها بالرواية كثيرا، وهناك كتاب آخرون يرفرفون أجنحتهم للانطلاق في فضاء الكتابة الإبداعية باللغة العربية.

 ولأجل تحفيز هؤلاء وآخرين، ولتشويق طلبتنا وأساتذتنا إلى قراءة القصص والمسرحيات، والتأكيد على أهمية هذه الأصناف الأدبية في تعزيز المهارة اللغوية لدى الطلبة، ولتعزيز التواصل بين المبدعين العرب والهنود، أدركنا الضرورة الملحة لمجلة جديدة تعنى حصرياً بنشر الإبداعات العربية الأصلية والمترجمة شعرا ونثرا، كان ذلك حلمي منذ زمن طويل، وشاء الله أن يتحقق هذا الحلم بتعاون ودعم المبدعين العرب وعلى رأسهم الأديبة الكبيرة والشاعرة العظيمة د. وفاء عبد الرزاق رئيسة المنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام لندن، والأديب الكبير واسيني الأعرج، والأديب الكبير علي عبد الله خليفة من البحرين، والخبير الدولي للسانيات الحاسوبية العربية د. عدنان عيدان ولي، وأستاذي مفتخري الشاعر حسين عوفي البابلي وصديقي الأديب محمد بركة، والأديبة والشاعرة التونسية حياة الرايس، والناقد والروائي الليبي البارز أحمد الهادي رشراش، والروائية البارزة ربيعة جلطي من الجزائر، والأديب الجزائري رابح خدوسي، والروائية البارعة عائشة بنور،  وأصدقاء آخرين الذين رحبوا بالفكرة، فتشجعت، وخطوت خطوة إلى الأمام، والحمد لله، سترى هذه المبادرة النور اليوم حين سيتم تدشين المجلة افتراضيا بيد الأديب الكبير واسيني الأعرج، وتهدف المجلة تحديداً إلى:

  • تحفيز وتشجيع الأساتذة والطلبة والباحثين في الهند وخارجها على الكتابة الإبداعية باللغة العربية.
  • رفع الكفاءة اللغوية لدى الطلبة والباحثين من خلال تشويقهم إلى قراءة القصص والمسرحيات بوجه خاص.
  • إقامة جسر ثقافي بين الهند والعالم العربي من خلال ترجمة الآداب الهندية المختلفة إلى اللغة العربية.
  • مؤازرة أصحاب الأقلام المبدعة في الهند والعالم العربي من خلال نشر إبداعاتهم وإقامة مسابقات وطنية ودولية للكتابة الإبداعية ومنح الجوائز للفائزين كلما تيسرت الوسائل المادية لذلك.
  • إقامة جسر علمي وثقافي بين الكتاب الهنود والكتاب العرب من شأنه أن يساعد في النهوض بمستوى تعليم اللغة العربية في الجامعات والكليات والمدارس الهندية.
  • خدمة اللغة العربية من خلال إنشاء وتعزيز ثقافة الإبداع بين المعنيين بتعليم وتعلم اللغة العربية في الهند.

ونحن إذ نقوم بإطلاق هذه المبادرة العلمية نتشجع كثيرا بالدعم الكبير الذي تلقيناه من الكتاب العرب، وبعضهم قامات أدبية عملاقة من أمثال د. وفاء عبد الرزاق، والأديب الكبير واسيني الأعرج، ود. سناء الشعلان، وعلي عبد الله خليفة، وكثيرين لا يأتي عليهم الحصر، وزملائنا من الأساتذة والباحثين في الجامعات الهندية الذين يرون في هذه المبادرة بارقة أمل جديدة في تنشيط الجو الثقافي في الهند، وعلى حد تعبير أحد الأساتذة "سوف تفتح المجلة آفاقاً جديدة للثقافة والأدب والفن، نتفاءل بها الخير الكثير، والثمر اليانع، والعطاء العلمي النافع".

نتقدم بأسمى آيات الشكر والعرفان والامتنان إلى كافة الكتاب والمبدعين العرب الذين يتعاونون معنا في النهوض بمستوى العربية في الهند وخصوصا في هذه المبادرة العلمية والإبداعية، كما نتقدم بالشكر الجزيل والعميق لكل من قبل عضوية اللجان العلمية والاستشارية والتحريرية، راجين منهم مواصلة دعمهم لنا خدمة للغتنا الحبيبة التي نجتمع معاً على حبها، وما أحلى هذا الحب وأصدقه!

ولا بد لي أن أتقدم بالشكر الخالص للأستاذين الشابين المليئين بالحيوية والحماس هما الدكتور مخلص الرحمن، والدكتور تجمل حق على جهودهما الكبيرة في تصميم الموقع والأمور الإدارية الأخرى، ويملكان كفاءة عالية في إنجاز المهام، كما يملكان مقدرة لغوية فائقة، وارى لهما مستقبلا زاهرا في مجال اللغة العربية بحكم حرصهما الكبير على التعلم من خلال الممارسة والتجريب، ويساعدانني في إصدار مجلة هلال الهند البحثية، بارك الله في حياتهما ورزقهما المزيد من التوفيق والنجاح.

يسرنا أن نقدم إليكم العدد الأول لمجلتنا "قطوف الهند"، الإبداعية الذي يضم باقة متنوعة من الإبداعات في القصة القصيرة والمسرحية والشعر، نتطلع إلى مشوراتكم ونصائحكم لرفع مستوى المجلة ونعدكم بالسهر دائماً على المجلة لنعمل دونما توقف وانقطاع لرفع مستواها لكي تتمكن المجلة من تحقيق أهدافها المرجوة، وما توفيقنا إلا بالله العلي العزيز القدير.

 

أ.د. مجيب الرحمن

رئيس التحرير

19.01.2022

© 2022 Qutoof Al-hind Magazine